مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)
الأدب الرابع عشر: ألا يتشوف لطلب الرياسة بالعلم قبل استحقاقها، قد حذروا من ذلك لأمرين: أحدهما: عام، والآخر: خاص.
أما الأول: فالمراد به ما ورد متضمنا لذمها من الجهة التي ذم حب الجاه من أجلها على الإطلاق. كقوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} .
قال الغزالي: «جمع بين إرادة الفساد والعلو، وبين الدار الآخرة للخالي عن الإرادتين جميعا.
وقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
قال: وهذا أيضا متناول بعمومه لحب الجاه، فإنه أعظم لذة من لذة الحياة، وأكبر زينة من زينتها».
وأما الثاني: فالمعنى به ما جاء عنهم مصرحا بالتحذير من مفاسد هذه الرياسة على التعيين وقد ذكروا لذلك مفاسد يتأكد الحذر من التعرض لها إحداها: توقيتها للتعلم النافع في وقته فقد قال المأمون، حكاه الشيخ أبو عمر:
«من طلب الرياسة بالعلم صغيرا، فاته علم كثير» .
وقولهم: «تفقهوا قبل أن تسودوا» شامل بالمعنى لذلك، لكن قد يتفق المستعجل بطلبها أن ينبه على خطإ نظره لنفسه فيراجع الأولى كما يحكى عن «ابن جني» . ذكره «ابن خلكان» : «أنه فارق الشيخ أبا علي الفارسي، وقعد للإقراء «بالموصل» ، فاجتاز بها شيخه «أبو علي» فرآه في حلقته، والناس حوله يشتغلون عليه، فقال له: «زبّبت وأنت حصرم» فترك حلقته، وتبعه ولازمه حتى تمهر».