فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 156

{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)}

(تكميل)

إذا تقرر بالعربية من ظهور الفضيلة، وتأكيد الطلب في نظر الشارع، فينبغي بعد ذلك النظر في حكم من زعم أنه لا يحتاج إلى لسان العرب، إذ لا خفاء أن ذلك يستلزم عدم الحاجة في زعمه، وقد سئل عن ذلك ابن رشد، وهل يلزمه شيء أو لا حسبما وقع في نوازله؟.

فأجاب: «هذا جاهل، فلينصرف عن ذلك، وليتب منه، فإنه لا يصح شيء من أمور الديانة والإسلام إلا بلسان العرب، يقول الله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} ، فقال له السائل: إن قائل هذا القول ليس بجاهل، ولكنه ممن يقرأ الحديث والمسائل، فقال: وإن كان فإن هذا منه جهل عظيم، يقال له: تب منه، وأقلع عنه، ولا يلزمه شيء، إلا أن يرى أن ذلك منه تخبث في دينه، أو نحو ذلك فيؤدبه الإمام على قوله ذلك بحسب ما يرى، فقد قال قولا عظيما» .

قلت: وقد تضمن هذا الجواب أمورا بعضها يعطي الحكم الشرعي على هذا القائل:

أحدها: الحكم عليه بالجهل، وعدم المعرفة بمنزلة العربية من الشريعة، وكفى بذلك ذما تأنف منه ذوو الهمم العالية، والفطر السليمة، لأن الجهل من حيث هو صفة نقص حسبما تقدم في تتمة الباب الأول.

الثاني: وجوب التوبة عليه من ذلك الجهل لينصرف إلى ما يجب عليه أن يعتقده، وهو العلم بمنفعة هذا العلم، وعظيم جدواه، وإلا بقي مرتبكا في ظلمة جهله، وخائضا في غمرة ناره، فقد سبق عن الإمام فخر الدين: «أن من رضي بالجهل فقد رضي بنار حاضرة، ومن اشتغل بالعلم فقد خاض في جنة حاضرة» .

وله في «موضع آخر» : «أنه تعالى قدم عذاب الجهل على عذاب النار.

فقال: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ} ».

الثالث: وهو علة وجوب التوبة من قبح ذلك الجهل شرعا، تصريحه بأن شيئا من أمور الديانة والإسلام لا يصح إلا بلسان العرب حسبما شهد به من تقدم النقل عنه من أئمة العلماء، ويعلمه من له أدنى معرفة بما يتحقق من ذلك عند من علم أن الشريعة عربية، وفيما سبق منه كفاية.

الرابع: مبالغة في التشنيع على معتقد هذه المقالة حيث قيل له: «إنه ليس بجاهل، ولكنه ممن يقرأ الحديث والمسائل» .

وبحق ما فعل ذلك، فإن جهل مثل هذا أشنع من جهل من لا يخوض في شيء من العلم. وأيضا لما كان قد جهل أنه يجهل فيكون لا محالة صادا عن سبيل العلم الذي لا بد منه في فتح علوم السعادة من جهة أنه يعتقد فيه أنه من جملة العلماء فيقبل منه إذا هو طعن في هذا العلم، وقبح الاشتغال به، وحينئذ ينقلب شيطانا فيجب اجتناب ضلاله، ويتأكد الحذر من خدع تلبيسه.

فلذلك حكم عليه الخليل بن أحمد رحمه الله بكلامه الشهير عنه:

«الرجال أربعة، رجل يدري، ويدري أنه يدري فهو عالم فاتبعوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فهو نائم فأيقظوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فعلموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهو شيطان فاجتنبوه» .

وهو القائل لبعض هذه الطبقة، «وقد عذله على استغراقه في اختراع ما فتح الله عليه من علوم العربية، ويسر على يديه من استنباط فنونها:

لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا

لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا»

الخامس: حكمه عليه بوجوب الأدب إن صدرت منه تلك المقالة عن خبث في دينه، وتكذيب ينطوي عليه اعتقاده السّيّئ.

ولا يخفى ما يدل على ذلك من ملامة تقضي عليك بذلك، وتسجل بنسبتها إليه، حتى يكون بالأدب حقيقا.

وللتحذير من غائلة ما صدر منه مستوجبا، وغير بعيد أن يقال بتأديبه إذا قبح على الطالبين اشتغالهم بهذا العلم حتى كان سببا في صدهم عن مقدار الضروري منه، فضلا عن التكميلي، ولو لم تفهم عنه الرتبة في دينه، ودلائل الشك في اعتقاده بحسب ما يؤدي إليه اجتهاد الولاة، ومن إليه النظر في أمور المسلمين، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت