(الفضيلة التاسعة عشرة)
أنّ الله تعالي يحيى بالعلم القلوب الميتة بوابل السماء.
ففي المروي من حكم لقمان أنه قال لابنه: «يا بني ما بلغت من حكمتك؟
قال: لا أتكلف ما لا يعنيني.
قال: يا بني: إنه قد بقي شيء آخر، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب الميتة بالحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء.
ويروى أنه كان يقول: يا بني، جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة، كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء» اهـ.
ونظمه سابق البربري فقال:
العلم فيه حياة للقلوب كما ... تحيا البلاد إذا ما مسها المطر
والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبه ... كما يجلي سواد الظلمة القمر
وليس ذو العلم بالتقوى كجاهلها ... ولا البصير كأعمى ما له بصر
(تعديل)
قال ابن العربي في «القبس» : «هذا المثل الذي جرى من لقمان في الإحياء والإماتة، ورد مفسرا في حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:
«مثل ما بعثني الله به من الهدى، والحكمة كمثل غيث أصاب أرضا» الحديث.
إلى غير ذلك من الآثار البديعة».
قلت: نص بقية الحديث في رواية: «فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى منها، إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» اه.
وهو أيضا أعني المثل مقتبس من معنى قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} فقد قيل فيه من حيث الاعتبار العام: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} ، أي ضالا، فهديناه، أو جاهلا، فعلمناه، في نظائر لذلك، لا تخفى على متأمل.
ومن هنالك قال بعض الحكماء: «القلب ميت، وحياته بالعلم، والعلم ميت، وحياته بالطلب، والطلب ضعيف، وقوته بالمدارسة، فإذا قوي بالمدارسة فهو محتجب، وإظهاره بالمناظرة، وإذا ظهر بالمناظرة فهو علم، ونتاجه العمل، فإذا زوج العلم بالعمل توالد، وتناسل، ملكا أبديا لا آخر له» اهـ. ومثله في كلام الناس كثير.
نظائر:
قال السمرقندي: من جلس مع ثمانية أصناف من الناس، زاده الله تعالى ثمانية أشياء:
من جلس مع الأغنياء زاده الله حب الدنيا والرغبة فيها.
ومن جلس مع الفقراء حصل له الشكر والرضا بقسمة الله.
ومن جلس مع السلطان زاده الله القسوة والكبر.
ومن جلس مع النساء زاده الله الشهوة والجهل.
ومن جلس مع الصبيان ازداد من اللهو والمزاح.
ومن جلس مع الفساق ازداد رغبة في المعاصي.
ومن جلس مع العلماء ازداد العلم والورع.