فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 156

(الحكاية الثانية)

رأيت بخط الشيخ الفقيه الأديب البارع «أبي القاسم محمد بن أحمد بن حاتم العاملي المالقي الشهير بابن البناء» قال:

«حكى لي بعض الأصحاب قال: كان «بدمشق» عالم يقال له «كرواح» ، وكان أفقه أهل زمانه، وأتمهم مروءة، وأكثرهم تواضعا وحسن أخلاق، وكان قصيرا ذميما، فأتاه يوما رجل برقعة في نازلة فتأملها، وكتب عليها الجواب ثم دفعها له. فقال له السائل: هنيئا لك يا سيدي على ما أعطاك الله من العلم، والله لقد مررت بهذه النازلة على جميع من لقيته بالعراق، والشام من أهل العلم، فما وجدت من يكتب لي عليها، ثم انصرف الرجل، وكأن نفس هذا العالم قد تعجبت من الرتبة التي حصلت لها في العلم، وقالت: هذا مقامك اليوم بحيث تغلب العلماء وتفوقهم.

قال: فبينما هو في هذا الخاطر، إذ مرت به امرأة فقالت له: يا سيدي، تعال معي لحاجة لي عندك، فتبعها، وكان لا يدعوه أحد إلا أجابه لفرط تواضعه، فلم يزل يقفو أثرها حتى وقفت على حانوت نقاش، فوقف هو ناحية بالقرب منها، فجعلت تقول للنقاش شيئا لا يسمعه العالم، وتشير إليه فينظر النقاش إليه ويتأمله، ثم قالت للعالم: انصرف إذا شئت، فقد قضيت حاجتي، فانصرف متعجبا من أمرها.

فلما علم انصرافها عن الحانوت كرّ راجعا، فقال للنقاش: ماذا أسرت لك المرأة حين كنت تنظر إلي؟ فامتنع النقاش من إخباره، فألح عليه فقال له: إن هذه المرأة جاءتني بالأمس ومعها لوح رصاص فقالت لي: أحب أن تنقش لي في هذا اللوح صورة إبليس. فقلت لها: وكيف؟ فقالت لي: أنا آتيك به حتى تنظر إليه، فلما جئت معها قالت لي: هذا إبليس فانظر ما أنت ناقشه. فقال له:

لا بأس عليك، ثم انصرف وقد فطن لسبب عقابه بذلك، وهو خاطر العجب، فتاب من ذلك الخاطر، واسترجع».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت