فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 156

(موعظة)

بذكر حكايتين يحذر بالاتعاظ بهما من غائلة الإعجاب.

(الحكاية الأولى)

قال الماوردي: «ومما أنذرك به من حالي أني صنفت في البيوع كتابا جمعت له ما استطعت من كتب الناس، وأجهدت فيه نفسي، وكددت فيه خاطري، حتى إذا تهذّب، واستكمل، وكدت أعجب به، وتصورت أني أشد الناس اضطلاعا بعلمه، حضرني وأنا في مجلسي أعرابيان، فسألاني عن بيع عقداه في البادية على شروط تضمنت أربع مسائل لم أعرف لشيء منها جوابا، وأطرقت متفكرا، وبحالي وحالهما معتبرا، فقالا: أما عندك فيما سألناك جواب، وأنت زعيم هذه الجماعة؟ قلت: لا. فقالا: إيها لك. وانصرفا، ثم أتيا من يتقدمه في العلم، كثير من أصحابي، فسألاه فأجابهما مسرعا بما أقنعهما، فانصرفا عنه راضيين بجوابه، وحامدين لعلمه، وبقيت مرتبكا، وإني لعلى ما كنت عليه في تلك المسائل إلى وقتي هذا، فكان ذلك زاجر نصيحة، ونذير موعظة تذلل بهما قياد النفس، وانخفض بهما جناح العجب، توفيقا منحته، ورشدا أتيته» .

قلت: يرحم الله هذا الإمام الفاضل، فلقد كان في الحرص على طلب الإخلاص بعلمه وابتغائه به ما عند الله تعالى بالمكان الذي حفظ بحراسته من غائلة الإعجاب، وآفة ما يذهل به عن شهود المنة من الله تعالى، ورؤية أن النعمة ليست إلا منه.

فحكى «ابن خلكان» «أنه قيل: إنه لم يظهر شيئا من تصانيفه في حياته، وإنما جمعها كلها في موضع، فلما دنت وفاته، قال لشخص يثق به: الكتب التي في الموضع الفلاني كلها تصنيفي، وإنما لم أظهرها لأني لم أجد نية صالحة خالصة لله تعالى لم يشبها كدر. فإذا عاينت الموت، ووقعت في النزع، فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها، فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها، فاعمد إلى الكتب، وألقها في «دجلة» ليلا، وإن بسطت يدي، ولم أقبض على يدك فاعلم أنها قد قبلت، وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه من النية الخالصة.

قال ذلك الشخص: فلما قارب الموت وضعت يدي في يده فبسطها، ولم يقبض على يدي، فعلمت أنها علامة القبول، فأظهرت كتبه بعده».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت