وقوله تعالى: {فإن خفتم} الآية [البقرة: 229] الخطاب تموجه للحكام والمتوسطين لهذا الأمر، وإن لم يكونوا حكامًا، وترك إقامة حدود الله هو استخفاف المرأة بزوجها وسوء طاعتها إياه قاله ابن عباس ومالك بن أنس وجمهور الفقهاء. وقال الحسن بن أبي الحسن وقوم معه إذا قالت: لا أطيع لك أمرًا ولا أغتسل لك من جنابة ولا أبر لك قسمًا حل الخلع. وقال الشعبي: {ألا يقيما حدود الله} معناه ألا يطيعا الله. وذلك أن المغاضبة تدعو إلى ترك طاعة الله. وقال عطاء: يحل الخلع والأخذ بأن تقول المرأة لزوجها إني لا أكرهك ولا أحبك ونحو هذا.
(230) - (231) قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} إلى قوله: {والوالدات} [البقرة: 230، 231] .
قال ابن عباس وغيره هذا ابتداء الطلقة الثالثة. فالتسريح التقدم هو ترك المراة حتى تتم عدتها من الثانية. وقوله: فإن طلقها فلا تحل له من بعد
حتى تنكح زوجًا غيره يعني بهذه الطلقة الثالثة. قال مجاهد: هذه إلىيةبيان مايلزم المسرح والتسريح هو الطلقة الثالثة.
(230) - وقوله تعالى: {حتى تنكح زوجًا غيره} [البقرة: 230]
النكاح في اللغة حقيقة في الوطئ مجاز في العقد. وقال بعضهم: وإن كان هكذا فالذي يجب على مذهب أهل الأصول إذا ورد مثل هذا اللفظ أن يحمل على الحقيقة حتى يقوم الدليل على أنه مجاز والذي عندي في هذا اللفظ أنه مشترك، يطلق على العقد وعلى الوطء في كلام العرب ليس بمجاز في أحدهما. وأما على ما ذكره المبرد فيجيء أنه مشترك في العقد وأنه حقيقة فيه مجاز في الوطء. وقد قال الأعشى وأراد به العقد:
وأمتعت نفسي من الغانيا ... ت إما نكاحًا وإما أزن
وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [الأحزاب: 49] فهذا أيضًا في العقد. ولهذا قال قوم: إن لفظ النكاح حيث وقع في القرآن المراد به العقد. وقال الشاعر في الجماع:
إذا زنيت فأجز نكاحًا ... وأعمل الغدو والرواحا
وجمهور العلماء على أن المطلقة ثلاثًا لا تحل بمجرد العقد بل حتى تدخل وتوطأ. وحجة هذا القول ما قدمناه من قول من قال إن النكاح حقيقة