كانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يأمرُ أصحابَه بما يطيقونَ من الأعمالِ ، وكانوا لشدةِ حرصِهِم على الطاعاتِ يريدونَ الاجتهادَ فِي العملِ ، فربما اعتذرُوا عن أمرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالرفقِ ، واستعمالِهِ له فِي نفسه ، أنَّه غيرُ محتاج إلى العملِ بضمانِ المغفرةِ له ، وهم غيرُ مضمونٍ لهم المغفرةُ ، فهم محتاجونَ إلى الاجتهادِ ، ما لا يحتاجُ هوَ إلى ذلك ، فكانَ - صلى الله عليه وسلم - يغضبُ من ذلك ، ويخبرُهُم أنَّه أتقاهم للَّهِ
وأعلمُهُم به.
فكونُه أتقاهُم للَّهِ يتضمنُ شدةَ اجتهادِهِ فِي خصالِ التقوى ، وهو العملُ.
وكونُه أعلمُهُم به يتضمنُ أنَّ علمَه باللَّهِ أفضلُ من علمِهِم باللَّهِ.
وإنَّما أراد علمَه باللَّهِ ، لمعنيينِ:
أحدُهما: زيادةُ معرفتِهِ بتفاصيلِ أسمائه وصفاتِه وأفعالِه وأحكامِه وعظمتِه
وكبريائِه ، وما يستحقُّه من الجلال والإكرامِ والإجلال والإعظامِ.
والثاني: أن علمَهُ باللَّهِ مستندٌ إلى عينِ اليقينِ ؛ فإنَّه رآهُ ، إما بعينِ بصرِه.
أو بعينِ بصيرتِه.
كما قالَ ابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ وغيرُهما: رآه بفؤادِه مرتينِ..
وعلمُهم به مستندٌ إلى علمِ يقينٍ ، وبينَ المرتبتينِ تباينٌ.
ولهذا سألَ إبراهيمُ - عليه السلامُ - ربَّه أن يرقيه من مرتبةِ علمِ اليقينِ إلى
مرتبةِ عينِ اليقينِ ، بالنسبةِ إلى رؤيةِ إحياءِ الموتى ، وقد سبقَ التنبيهُ على ذلكَ
والكلامُ فِي تفاصيل المعرفةِ القائمةِ بالقلبِ.
فلمَّا زادتْ معرفةُ الرسولِ بربِّه ، زادتْ خشيتُه له وتقواه ، فإنَّ العلمَ التامَّ
يستلزمُ الخشيةَ ، كما قالَ تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ) .
فمن كان باللَّهِ وبأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه وأحكامِه أعلم ، كان له أخشى
وأتقى ، وإنَّما تنقص الخشيةُ والتقوى بحسبِ نقصِ المعرفةِ باللَّهِ.