"اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلا النكِّاحَ"-
وذكر بقيَّةَ الحديثِ.
فقولُهُ عزَّ وجلَّ: (وَيَسْألُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) ، أي: عن حُكمِهِ
والمباشرةِ فيه.
و"المحيضُ"، قيل: إنَّه مَصْدَرٌ كالحَيْضِ ، وقيلَ: بل هو اسم للحيض.
فيكونُ اسمَ مصدرٍ.
وقولُهُ تعالى: (قُلْ هُوَ أَذًى) ، فُسِّر الأذى بالدَّمِ النَّجسِ وبما فيه
من القَذَرِ والنّتنِ وخروجهِ من مَخْرج البَوْل ، وكل ذلك يُؤذِي.
قال الخطَّابيُّ: الأذي هو المكروهُ الذي ليسَ بشديد جدًّا ، كقولِهِ:(لَن
يَضُرُوكُمْ إِلاَّ أَذًى)، وقولِهِ: (إِن كانَ بِكمْ أَذًى مِن مَطَرٍ) ، قال: والمرادُ: أذًى يعتزِل منها مَوْضِعَه لا غيره ، ولا يتعدَّى ذلك
إلى سائرِ بدنِها ، فلا يُجْتنبْنَ ولا يُخْرَجْنَ من البيوت كفعلِ المَجُوسِ وبعض
أهلِ الكتابِ ، فالمرادُ: أن الأذى بهنَّ لا يبلغ الحدَّ الذي يُجاوِزُونه إليه ، وإنَّما يُجْتنب منهن موضحُ الأذى ، فإذا تطهَّرنَ حلَّ غِشْيانُهنَّ.
وقولُهُ تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) ، قد فسَّره النبيُّ
-صلى الله عليه وسلم - باعتزال النكاح.
وسيأتي فيما بعدُ - إنْ شاء اللَّهُ تعالى - ذِكْرُ ما يَحْرُم من
مباشرةِ الحائضِ وما يَحِلُّ منه فِي البابِ الذي يخْتَصُّ المباشرةَ من الكتابِ.
وقد قيلَ: بأن المرادَ بالمحيضِ ها هُنا: مكانَ الحيضِ ، وهو الفَرجُ ، ونصَّ
على ذلكَ الإمامُ أحمدُ ، وحكاه الماورْدِيُّ عن أزواج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وجمهورِ المفسرينَ ، وحكى الإجماعَ على أنَّ المرادَ بالمحيضِ المذكورِ فِي أولِ الآية: الدَّمُ.
وقد خالفَ فِي ذلك ابنُ أبي موسى من أصحابنِا فِي"شرح الخِرَقي".
فزعم أن مذهبَ أحمدَ أنَّه الفرجُ - أيضًا - ، وفيه بُعدٌ.
وجمهورُ أصحابِ الشافعيِّ على أنَّ المرادَ بالمحيضِ فِي الآيةِ الدَّمُ ، في
الموضعينِ.