الأولِ مرتينِ أُخريينِ""
وفي روايةٍ لمسلمٍ أنه قالَ فِي الثالثةِ:"قد غفرتُ لعبدِي ، فليعملْ ماشاءَ".
والمعنى ما دامَ على هذه الحالِ كلَّما أذنبَ استغفرَ.
والظاهرُ أنَّ مرادَهُ الاستغفارُ المقرونُ بعدم الإصرارِ ، ولهذا فِي حديثِ أبي بكرٍ الصديقِ - رضي الله عنه - ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال:
"ما أصرَّ من استغفرَ وإن عادَ فِي اليوم سبعين مرّة"
وخرَّجه أبو داودَ والترمذيُّ.
وأمَّا استغفارُ اللسانِ معَ إصرارِ القلبِ على الذنبِ ، فهو دُعاءٌ مجرَّدٌ إنْ
شاء اللَّهُ أجابهُ ، وإن شاءَ ردَّه.
وقد يكون الإصرارُ مانعًا من الإجابةِ ، وفي"المسندِ"من حديثِ عبدِ اللَّهِ
ابنِ عمرٍو مرفوعًا:"ويلٌ للذينَ يُصرُّون على ما فعلُوا وهم يَعلَمون".
وخرَّج ابنُ أبي الدنيا من حديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا:"التائبُ من الذَّنبِ"
كمن لا ذنبَ لهُ ، والمستغفرُ من ذنبٍ وهو مُقيم عليه كالمستهزئِ بربِّهِ"ورَفعُه منكر ، ولعلَّه موقوف."
قال الضحاكُ: ثلاثة لا يُستجاب لهم ، فذكرَ منهُم: رجل مقيم على امرأةِ
زِنى كلَّما قَضِى منها شهوتَهُ ، قالَ: ربِّ اغفرْ لي ما أصبتُ من فلانةٍ ، فيقولُ
الربُّ: تحوَّلْ عنها ، وأغفرُ لكَ ، فأمَّا ما دمتَ مقيمًا عليها ، فإنِّي لا أغفرُ
لكَ ، ورجل عندَهُ مالُ قومٍ يَرى أهلَهُ ، فيقول: ربِّ اغفرْ لي ما آكلُ من مالِ فلانٍ ، فيقولُ تعالى: ردَّ إليهم مالَهُم ، وأغفرُ لكَ ، وأمَّا ما لم تردَّ إليهم ، فلا أغفرُ لك.
وقولُ القائلِ: أستغفرُ اللهَ ، معناه: أطلبُ مغفرتَهُ ، فهو كقولِهِ اللَهُمَّ اغفرْ
لِي ، فالاستغفارُ التامُ الموجبُ للمغفرةِ: هو ما قارنَ عدمَ الإصرارِ ، كما مدحَ اللَّهُ أهلَهُ ، ووعدَهُم المغفرةَ.
قال بعضُ العارفينَ: من لم يكنْ ثمرةَ استغفاره تصحيحَ توبتِهِ ، فهوَ كاذب فِي استغفاره ، وكان بعضُهم يقولُ: استغفارُنا هذا