الإصرارِ ؛ فإنَّ اللَّه وعدَ فيها المغفرةَ لمن استغفرَهُ من ذنوبِهِ ، ولم يُصِرَّ على
فعلِهِ ، فتُحْمَلُ النُصوصُ المطلقةُ فِي الاستغفارِ كلها على هذا المقيد.
ومجرَّدُ قولِ القائل: اللَّهُمَّ اغفر لي ، طلبٌ منه للمغفرةِ ودعاءٌ بها ، فيكونُ
حكمُهُ حكمَ سائرِ الدعاءِ ، فإنْ شاءَ اللَّهُ أجابه وغفرَ لصاحبِهِ ، لا سيما إذا
خرجَ عن قلبِ منكسرٍ بالذنبِ أو صادفَ ساعةً من ساعاتِ الإجابةِ كالأسحارِ وأدبارِ الصلواتِ.
ويُروَى عن لُقمانَ عليه السلامُ أنّه قالَ لابنِه: يا بنيَّ عَوِّدْ لسانكَ اللَّهمَّ
اغفرْ لي ، فإنَّ للَّهِ ساعاتٍ لا يَرُدُّ فيها سائلاً.
وقال الحسنُ: أكثِروا من الاستغفارِ فِي بيوتِكم ، وعلى موائِدكم ، وفي
طُرقِكُم ، وفي أسواقِكُم ، وفي مجالسِكُم أينما كُنتُم ، فإنَّكم ما تدرونَ متى
تنزلُ المغفرةُ.
وخرَّج ابن أبي الدنيا فِي كتاب"حسنِ الظنِّ"من حديثِ أبي هريرةَ
مرفوعًا:"بينما رجلٌ مستلقٍ إذْ نظرَ إلى السماءِ وإلى النجومِ ، فقال: إني لأعلمُ أن لكِ ربًّا خالِقًا ، اللَّهُمَّ اغفرْ لي ، فغفرَ له".
وعن مُوَرِّقٍ قالَ: كانَ رجلٌ يعملُ السيئاتِ ، فخرجَ إلى البريةِ ، فجمعَ
ترابًا ، فاضطجَعَ عليه مستلقيًا ، فقالَ: ربِّ اغفرْ لي ذنوبي ، فقالَ: إنَّ هذا
ليعرفُ أنَّ له ربَّا يغفرُ ويعذِّب ، فغفرَ له.
وعن مُغيثِ بنِ سُميٍّ ، قالَ: بينما رجلٌ خبيثٌ ، فتذكر يومًا ، فقال: اللَّهمَّ
غُفرانَك ، اللَّهمَّ غفرانَك ، اللَّهمَّ غفرانَك ، ثم ماتَ فغُفِر له.
ويشهد لهذا ما فِي"الصحيحينِ"عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:"أنَّ عبدًا أذنَبَ ذنبا ، فقالَ: ربِّ أذنبتُ ذنبًا فاغفرْ لي."
قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: عَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا يغفر الذنب ، ويأخذُ به ، غفرتُ لعبدِي ، ثمَّ مكثَ ما شاء الله ، ثم أذنبَ ذنبًا آخر فذكرَ مثل