قوله تعالى: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)
وقد قال طائفة من السَّلفِ فِي تفسيرِ قولِهِ تعالَى: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) : إنه طلبُ ليلةِ القدرِ.
والمعنى فِي ذلكَ أنَّ اللَّهَ تعالى لما أباحَ مباشرةَ النِّساءِ فِي ليالي الصيامِ ، إلى
أنْ يتبيَّنَ الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ ، أمَرَ مَعَ ذلك بطلبِ ليلةِ القدْرِ.
لئلا يشتغلَ المسلمونَ فِي طولِ ليالِي الشهرِ بالاستمتاع المباح ، فيفوتُهم طلبُ
ليلةِ القدْرِ ، فأمرَ مع ذلكَ بطلبِ ليلةِ القَدْرِ بالتهجُّد من الليلِ ، خصوصًا في
الليالِي المرجُوِّ فيها ليلةُ القَدْرِ ، فمن هاهُنا كانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يصيبُ من أهلِهِ فِي العشرينَ من رمضانَ ، ثم يعتزلُ نساءَه ويتفرغَّ لطلب ليلةِ القَدْرِ فِي العشر الأواخرِ.
قوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(187)
وقولُهُ - صلى الله عليه وسلم -:"كالراعِي يرعَى حولَ الحِمَى يُوشِكُ أن يرتَعَ فيه ، ألا وإنَّ لكلِّ ملكٍ حِمَى ، وإنَّ حِمَى اللَّهِ محارمُهُ":
هذا مَثَلٌ ضربَهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لمنْ وقع في
الشبهاتِ ، وأنَّه يقرُبُ وقوعُهُ فِي الحرامِ المحضِ ، وفي بعضِ الرواياتِ أنَّ
النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:
"وسأضربُ لَكُم مثلاً"ثم ذكرَ هذا الكلامَ ، فجعلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَ المحرَّماتِ كالحِمى الَّذي تحميه الملوكُ ، ويمنعونَ غيرَهم من قُربانِهِ ، وقد جعلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حولَ مدينتِهِ اثني عشرَ ميلاً حِمى محرَّمًا ، لا يُقطعُ شجرُه ، ولا يُصادُ صيدُه ، وحَمَى عمرُ وعثمانُ أماكنَ ينبتُ فيها الكلأ لأجلِ إبلِ الصدقةِ.