"ماظنُّك باثنينِ اللَهُ ثالثُهما".
فهذه معية خاصةٌ غيرَ قولِهِ: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَة إِلَّا هو رَابِعُهُمْ) الآية ، فالمعيَّةُ العامُّةُ تقتضِي التحذير من علمِهِ واطلاعِهِ وقدرتِهِ
وبطشِهِ وانتقامِهِ ، والمعيةُ الخاصةُ تقتضِى حسنَ الظنِّ بإجابتِهِ ورضَاه وحفظِهِ
وصيانتِهِ ، فكذلك القربُ.
وليسَ هذا القربُ كقربِ الخلقِ المعهودِ منهم ، كما ظنَه من ظنه من أهلِ
الضلالِ ، وإنَّما هو قربٌ ليسَ يشبهُ قربَ المخلوقينَ ، كما أنَّ الموصوفَ به
(لَيْسَ كمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) .
وهكذا القولُ فِي أحاديث النزولِ إلى سماءِ الدنيا ، فإنَه من نوع قربِ
الربِّ من داعيهِ وسائليهِ ومستغفريهِ.
وقد سئلَ عنه حماد بنُ زيدٍ ، فقالَ هو فِي مكانِهِ يقربُ من خلقه كما
يشاءُ.
ومرادُه أنَّ نزولَهُ ليس هو انتقال من مكانٍ إلى مكانٍ كنزول المخلوقينَ.
وقال حنبل: سألتُ أبا عبدِ اللَّه: ينزل اللَّهُ إلى سماءِ الدُّنيا ؟
قال: نعم.
قلتُ: نزولُهُ بعلمِهِ أو بمَاذا ؟
قال: اسكتْ عن هذا ، مالكَ ولهذَا ؛ أمْضِ
الحديثَ على ما رُوي بلا كيفٍ ولا حَدٍّ ، إلا بما جاءت به الآثار ، وجاءَ به
الكتابُ ، قال اللَّهُ: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ) ، ينزل كيفَ شاءَ.
بعلمِهِ وقدرتِهِ وعظمتِهِ ، أحاطَ بكلِّ شيء علمًا ، لا يبلغُ قَدْرَه واصفٌ ، ولا
ينأَى عنه هَربُ هاربٍ ، عزَّ وجلَّ.
ومرادُهُ: أنَّ نزولَهُ تعالى ليس كنزول المخلوقينَ ، بل هو نزول يليقُ بقدرتِهِ
وعظمتِهِ وعلمِهِ المحيطِ بكلِّ شيء ٍ ، والمخلوقونَ لا يحيطونَ به عِلمًا ، وإنَّما
ينتهونَ إلى ما أخبرهم به عن نفسِهِ ، أو أخبرَ به عنه رسولُهُ.
فلهذا اتفقَ السلفُ الصالحُ على إمرارِ هذهِ النصوصِ كما جاءت من غيرِ
زيادةٍ ولا نقصٍ ، وما أشكلَ فهمُهُ منها ، وقصرَ العقلُ عن إدراكِهِ وُكِلَ إلى
عالمه.