واللَّهُ عزَّ وجلَّ حَمَى هذه المحرَّماتِ ، ومنعَ عبادَهُ من قربانِهَا ، وسمَّاها
حدودَه ، فقالَ تعالَى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(187) .
وهذا فيه بيانُ أنَّه حدَّ لهم ما أحلَّ لهُم وما حرَّم
عليهم ، فلا يقربُوا الحرامَ ، ولا يتعدَّوْا الحلالَ ، ولذلكَ قالَ فِي آيةٍ آخرى:
(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .
وجعلَ من يرعى حولَ الحِمى وقريبا منه جديرًا بأن يدخُلَ الحِمى ويرتعَ فيه.
فكذلكَ منْ تعدَّى الحلالَ ، ووقعَ فِي الشبهاتِ ، فإنَّه قد قاربَ الحرامَ غايةَ
المقاربةِ ، فما أخلقَهُ بأن يُخالِطَ الحرامَ المحضَ ، ويقع فيهِ ، وفي هذا إشارةٌ إلى
أنَّه ينبغي التباعدُ عن الحرَّماتِ ، وأنْ يجعلَ الإنسانُ بينه وبينها حاجزًا.
وقد خرَّج الترمذيُ وابنُ ماجةَ مِنْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ يزيدَ عن النبيِّ
-صلى الله عليه وسلم - قالَ:"لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من المتَقين حتى يدع ما لا بأسَ به حذرًا مما به بأس".
وقال أبو الدرداءِ: تمامُ التقوى أن يتقي اللَّهَ العبدُ ، حتَّى يتقيَه منْ مثقالِ
ذرَّةٍ ، وحتى يتركَ بعضَ ما يرى أنَّه حلالٌ ، خشية أن يكون حرامًا ، حجابًا
بينه وبيْنَ الحرامِ.
وقال الحسنُ: ما زالتِ التقوى بالمتقينَ حتى تركُوا كثيرًا من الحلالِ مخافةِ
الحرامِ.
وقال الثوريُّ: إنَّما سُموا"المتقين"لأنَّهم اتَّقوا ما لا يُتَّقى.
ورُوي عن ابنِ عمرَ قالَ: إنِّى لأحبُّ أن أدع بيني وبين الحرامِ سترة من الحلالِ لا أخرقُها.
وقال ميمونُ بنُ مهرانَ: لا يسْلَمُ للرجلِ الحلالُ حتى يجعلَ بينه وبين
الحرامِ حاجزًا من الحلالِ.
وقال سفيانُ بن عيينةَ: لا يصيبُ عبد حقيقةَ الإيمانِ حتى يجعلَ بينه وبين