فإن قلتَ: هذه الآيةُ يُعارضها ما ورد في"الصحيحين"من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ:"لا تفضِّلوني على الأنبياء"، وفي لفظ آخر:"لا تُفَضِّلوا بينَ الأنبياءِ"وفي لفظ:"لا تخيَّروا بين الأنبياء"؟
قلتُ: لا تعارض بين القرآن والسُّنّة بوجهٍ من الوجوه؛ فالقرآنُ: فيه الإخبارُ من الله بأنه فضَّل بعضَ أنبيائه على بعضٍ، والسنةُ: فيها النهيُ لعباده أن يُفضّلوا بين أنبيائه، فمَنْ تعرَّض للجمع بينهما زاعمًا أنهما متعارضان فقد غَلِطَ غلطًا بَيِّنًا.
فإن قلتَ: لِمَ خُصَّ موسى وعيسى بالذِّكر من بين سائر الأنبياء؟
قلتُ: لَمَّا أوتيا من الآياتِ العظيمة، والمعجزاتِ الباهرة .. خُصَّا بالذكر في باب التفضيل.
فعلى هذا: كل مَنْ كان من الأنبياء أعظمَ آياتٍ، وأكثرَ معجزاتِ .. كانَ أفضلَ؛ ولهذا أَحْرزَ نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - قَصَباتِ السبق في الفَضْل؛ لأنه أعظم الأنبياءِ آياتٍ، وأكثرهم معجزاتٍ، فهو أفضلُهم - صلى الله عليه وسلم - وعليهم أجمعين.
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ... (258) }
قال الزمخشري:
فإن قلتَ: كيف جاز أن يؤتي الله المُلْك الكافرَ؟
قلتُ: فيه قولان: آتاه ما غلب به وتسلط، من المال والخدم والاتباع، وأما التغليب والتسليط: فلا، وقيل: مَلَّكه امتحانًا لعباده. انتهى.
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ... (260) }
فإن قلتَ: كيف قال {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} وقد علم أنه أثبت الناس إيمانًا؟
قلتُ: ليجيب بما أجابه به؛ لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين.
{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ... (261) }
فإن قلتَ: هل رأيت سنبلة فيها مائة حبة حتى يضرب المثل بها؟
قلتُ: ذلك غير مستحيل، وما لا يكون مستحيلًا .. فضرب المثل به جائز وإنْ لم يوجد.
والمعنى {فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} أن جعل الله ذلك فيها. وقيل: هو موجود في الدخن.