تنبيه: وإنما قال هنا: {ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ} وقال في الطلاق: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ؛ لأنه لما كانت كاف ذلك لمجرد الخطاب لا محل لها من الإعراب .. جاز الاقتصار على الواحد كما هنا، كما في قوله: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} ، وجاز الجمع نظرًا للمخاطبين كما في الطلاق،
فإن قلتَ: لِمَ ذكر (منكم) هنا، وتركه ثَمَّ؟
قلتُ: لتركِ ذكر المخاطبين هنا في قوله: {ذَلِكَ} واكتفى بذكرهم ثَمَّ فيه. اهـ كرخي.
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ... (234) }
وإنما قال: {عَشْرًا} بلفظ التأنيث؛ لأن العرب إذا أبهمت في العدد من الليالي والأيام غلّبوا الليالي حتى إن أحدهم ليقول: صمت عشرًا من الشهر؛ لكثرة تغليبهم الليالي على الأيام، فإذا أظهروا الأيام .. قالوا: صمنا عشرة أيام.
والحكمة في جعل عدة الوفاة هذا المقدار: أن الجنين الذكر يتحرك في الغالب لثلاثة أشهر، والأنثى لأربعة، فزاد الله سبحانه على ذلك عشرًا؛ لأن الجنين ربما يضعف عن الحركة، فتتأخر حركته قليلًا، ولا تتأخر عن هذا الأجل.
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ... (240) }
فإن قلت: كيف نسخت الآية المتقدمة المتأخرة؟
قلتُ: قد تكون الآية المتقدمة متقدمة في التلاوة متأخرة في النزول، كقوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} مع قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} .
فإن قلت: لِمَ نكَّر {مَعْرُوفٍ} هنا، وعرَّفه فيما سبق {بِالْمَعْرُوفِ} ؟
قلتُ: لأن ما هنا سابق في النزول، فلم يسبق له عهد حتى يعرف، وما سبق متأخر عن هذا، فسبق له عهد، فعرف فما سبق هو عين ما هنا على القاعدة المشهورة عند البلغاء.
{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ... (253) }