ومن ذلك قوله بعد ذكر أهل الكتاب من اليهود والنصارى حيث قال: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} [البقرة: 145] ولما كان الخطاب لموسى من الجانب الغربيّ وتوجّهت إليه اليهود، وتوجهت النصارى إلى المشرق، كانت قبلة الإسلام وسطا بين القبلتين، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} أي: خيارا، وظاهر اللفظ يوهم التوسّط، مع ما يعضده من توسّط قبلة المسلمين، صدق على لفظة (وسط) هاهنا أن يسمّي تعالى به لاحتمالها المعنيين. ولمّا كان المراد أبعدها وهو الخيار، صلحت أن تكون من أمثلة التورية.
قلت: وهي مرشحة بلازم المورّى عنه، وهو قوله: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} فإنّه من لوازم كونهم خيارا، أي: عدولا، و (الإتيان) قبلها من قسم المجرّدة.
{لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (143) }
أخّرت الصلة في الشهادة الأولى، وقدّمت في الثانية، لأنّ الغرض في الأوّل إثبات شهادتهم، وفي الثاني إثبات اختصاصهم بشهادة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عليهم.
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ... (164) }
كما انقسم الإيجاز إلى: إيجاز قصر وإيجاز حذف، كذلك انقسم الإطناب إلى:
بسط وزيادة.
فالأوّل: الإطناب بتكثير الجمل:
كقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية [164] في سورة البقرة، أطنب فيها أبلغ الإطناب لكون الخطاب مع الثقلين، وفي كلّ عصر وحين، للعالم منهم والجاهل، والموافق منهم والمنافق.