الجواب الثاني أن من الناس من كان يتعجل ومنهم من كان يتأخر، وكل فريق يصوب فعله على فعل الفريق الآخر فبين الله تعالى أن كل واحد من الفريقين مصيب في فعله وأنه لا إثم عليه.
الجواب الثالث إنما قال: ومن تأخر فلا إثم عليه لمشاكلة اللفظة الأولى فهو كقوله: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) ومعلوم أن جزاء السيئة ليس بسيئة. الجواب الرابع أن فيه دلالة على جواز الأمرين فكأنه تعالى قال: فتعجلوا أو تأخروا فلا إثم في التعجيل ولا في التأخير لِمَنِ اتَّقى أي ذلك التخيير ونفي الإثم للحاج المتقي وقيل لمن اتقى أن يصيب في حجه شيئا مما نهاه الله عنه من قتل صيد وغيره، مما هو محظور في الحج.
وقيل: معناه أنه ذهب إثمه إن اتقى فيمن بقي من عمره، وذلك أن الحاج يرجع مغفورا له بشرط أن لا يرتكب ما نهي عنه فيما بقي من عمره وهو قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي في المستقبل.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(208)
«فإنْ قلتَ» : عداوته بإيصال الضرر وإلقاء الوسوسة فكيف يصح ذلك مع الاعتقاد، فإن الله هو الفاعل لجميع الأشياء؟
قلت: إنه يحاول إيصال الضرر والبلاء إلينا، ولكن الله منعه عن ذلك وأما معنى الوسوسة فمعلوم أنه يزين المعاصي وإلقاء الشبهات، وكل سبب لوقوع الإنسان في مخالفة الله تعالى فيصده بذلك عن الثواب، فهذا من أعظم جهات العداوة.
«فإنْ قلتَ» : كيف يصح وصف الشيطان بأنه مبين مع أنا لا نراه؟
قلت: إن الله تعالى بين عداوته ما هي فكأنه بين وإن لم يشاهَد.
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(210)
«فإنْ قلتَ» : لم كان إتيان العذاب في الغمام؟