لأنا نقول: الكلام ينبغي أن يكون مفيدا بليغا لذاته، لا بالنظر إلى دليل خارج، فنحن استفدنا هذا المعنى من هذا اللفظ، والأدلة الخارجة عنه مؤكدات له.
ونعني بالاختصاص: اختصاص المفعول بالفعل المتعقب له، وتقريره: أنك لو قدمت الفعل في"زيدًا ضربت"مثلا، فقلت:"ضربت"لبقي السامع مترددا في عين المفعول، لا يعلمها حتى تفرغ من التلفظ بالفعل، ثم تصرح به، ولكنت مخيرا قبل تمام التلفظ بالفعل في إيقاعه على من شئت.
{وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم}
فخاطبوا المؤمنين بقولهم: (آمنا) فدل على كذبهم، إذ لو صدقوا لأكدوا، كما قالوا لشياطينهم: (إنا معكم) .
وكما قال المؤمنون: {إنا هدنا إليك} ، {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون} .
ولهذا: {قالت الأعراب آمنا} [الحجرات] قال: {قل لم تؤمنوا} .
بخلاف المؤمنين لما قالوا (إنا مؤمنون) فإنه أقرهم على ذلك، ولم يرد عليهم. وخاطبوا شياطينهم بـ (إنا معكم) فدل على صدقهم في ذلك، أو قوة الباعث عليه، كما قال الكفار مثلهم لرسلهم: {إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب} .
قلت: والمدعى الاتفاقي أن صيغة (إنا معكم) آكد من صيغة (آمنا) أما الدلالة على صدقهم في الأولى، وكذبهم في الثانية، فليس لازمًا ولا مستفادًا من مجرد الصيغة، إذ ربما صدق المتكلم بالفعلية دون الاسمية المؤكدة.
وإنما حكم على الكفار بما ذكرناه من الصدق والكذب لقرينة نفاقهم، وإخبار الله بكذبهم عنهم، وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد في جواب قوله: (اشهد بأني رسول الله، آمنت بالله، وأمر الله المؤمنين أن يقولوا آمنا بالله، سمعنا وأطعنا) . ونظائر كثيرة، فلو كان ذلك لازمًا للكذب أو دليلاً عليه لجرده مما قيل، وأمر به شرعًا.
{مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا}