قلت: نعم، لكن والكلام في جهة السلب بالقصد لا بالعرض، فتأمل هذا. والخلاف في مثل هذه العبارات راجع إلى اختلاف يرجع إلى المتخاطبين في عبارة أو ويجوز أن توجه الفرق على ما ذكره، حيث قالوا: ينبغي تطابق السؤال والجواب،"ولا ريب فيه"، تقديره: لا من ريب فيه، جوابا، كقول قائل:"هل من ريب فيه؟"فحذفت من، وركبت لا مع المجرور، فنفى الجواب مطابقا للسؤال في تقديم الريب، وهذا أحسن من الأول.
ووجه التطابق في"لا فيها غول"ما سبق، فهذا الذي قبّح الله به في هذا الفرق، وللناظر فيه الخيار بحسب قوته ومادته، والله أعلم.
{لا ريب فيه هدىً للمتقين}
(الاستئناف) وهو ابتداء كلام على جهة الجواب لسؤال مقدر، وهو نوعان:
النوع الأول: بإعادة الاسم نحو: (أكرمت زيدًا ... زيد حقيق بالإكرام) .
أو بإعادة الصفة نحو: (أكرمت زيدًا ... صديقي القديم أهل لذلك)
وهذا أحسن من الأول؛ لاشتماله على الصفة المشيرة إلى بيان سببية الإكرام، كما قال الأصوليين في إقران الحكم بالوصف المناسب، فكأن قائلاً قال: (لما أكرمته) ؟، فأجبته بذلك.
ومن أمثلته قوله تعالى: {لا ريب فيه هدىً للمتقين} كأن قائلاً قال: لم اختص المتقون بذلك؟، فأجاب عن هذا السؤال بقوله: {الذين يؤمنون بالغيب} ، إلى آخر الصفات المشيرة إلى سببية اختصاصهم، كأنه قال: أهل هذه الصفات أحقاء بهذا التخصيص، وإن جعلت هذه النعوت تابعة للمتقين، وقدرت السؤال المذكور بعدها، كان الاستئناف: بـ {أولئك على هدى} ، فيكون مثالاً لإعادة الاسم.
{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}
قدم المفعول، وهو"مما رزقناهم"لئلا يتوهم بتقدير تأخيره جواز الإنفاق مما ليس بمملوك لهم.
لا يقال: أي حاجة إلى هذا الاحتراز مع اتفاق العقل، وقواعد الشرع، على المنع من التصرف في غير الملك؟