«فَإِنْ قِيلَ» : فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ) مَعْنَاهُ فُرِضَ وَأُلْزِمَ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْقِصَاصُ غَيْرَ وَاجِبٍ؟
قِيلَ لَهُ: مَعْنَاهُ إِذَا أَرَدْتُمْ، فَأَعْلَمَ أَنَّ الْقِصَاصَ هُوَ الْغَايَةُ عِنْدَ التَّشَاحِّ.
(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ(180)
«إِنْ قِيلَ» : لِمَ قَالَ (كُتِبَ) وَلَمْ يَقُلْ كَتَبْتُ، وَالْوَصِيَّةُ مُؤَنَّثَةٌ؟
قِيلَ لَهُ: إِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَصِيَّةِ الْإِيصَاءَ.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ فَاصِلٌ، فَكَانَ الْفَاصِلُ كَالْعِوَضِ مِنْ تَاءِ التَّأْنِيثِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: حَضَرَ الْقَاضِي الْيَوْمَ امْرَأَةٌ.
وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ: قَامَ امْرَأَةٌ.
وَلَكِنَّ حُسْنَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مَعَ طُولِ الْحَائِلِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) وكتب بمعنى فُرِضَ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ.
قِيلَ لَهُمْ: قَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ فِي الْآيَةِ قَبْلُ، وَالْمَعْنَى: إِذَا أَرَدْتُمُ الْوَصِيَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُوصِ، وَقَدْ أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ، فَإِنْ أَوْصَى فَحَسَنٌ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ فَلَا شيء عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)
(حَقًّا) يَعْنِي ثَابِتًا ثُبُوتَ نَظَرٍ وَتَحْصِينٍ، لَا ثُبُوتَ فَرْضٍ وَوُجُوبٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (عَلَى الْمُتَّقِينَ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ نَدْبًا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَكَانَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا خَصَّ اللَّهُ مَنْ يَتَّقِي، أَيْ يَخَافُ تَقْصِيرًا، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ إِلَّا فِيمَا يُتَوَقَّعُ تَلَفُهُ إِنْ مَاتَ، فَيَلْزَمُهُ فَرْضًا الْمُبَادَرَةُ بِكَتْبِهِ وَالْوَصِيَّةِ بِهِ، لِأَنَّهُ إِنْ سَكَتَ عَنْهُ كَانَ تَضْيِيعًا لَهُ وَتَقْصِيرًا مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى.
(فائدة)