وقال محمد بن جرير: أشار بقوله: {ذلك} إلى ما تقدم ومضى من قوله: {الم} لأن كل ما تقضى وقرب تقضيه من الأخبار فهو في حكم الحاضر، كالرجل يحدث الرجل الحديث، فيقول السامع: (إن ذلك لكما قلت) ، و (هذا والله كما قلت) ، فيخبر مرة عنه بمعنى الغائب، إذا كان قد تقضى، ومرة بالحاضر لقرب جوابه من كلامه، كأنه غير متقض، فكذلك لما ذكر الله سبحانه {الم} التي ذكرنا تصرفها في وجوهها من المعاني، قال: يا محمد هذا الذي ذكرته وبينته لك: الكتاب،[فحسن وضع (ذلك) في موضع (هذا) وروى عن ابن عباس أنه قال: معن (ذلك الكتاب) الذي أخبرتك أنى أوحيه إليك.
وقال يمان بن رباب: ذلك الكتاب الذي ذكرته في التوراة والإنجيل.
وهذان القولان متقاربان، والأول اختيار ابن الانباري، والثاني اختيار الزجاج.
أما ابن الانباري فقال: إنما قال عز ذكره: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} ، فأشار إلى غائب، لأنه أراد هذه الكلمات يا محمد: ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك، لأن الله تعالى لما أنزل على نبيه - صلى الله عليه وسلم - {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5] ، كان عليه السلام واثقا بوعد الله إياه، فلما أنزل عليه {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:1, 2] . دله على الوعد المتقدم.
وقال الزجاج: القرآن، ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى.
فجعل {الم} بمعنى القرآن، لأنه من القرآن فهو قرآن.
والمراد بالكتاب هاهنا: القرآن في قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد والضحاك، ومقاتل.
«فإن قيل» : كيف قال: {لَا رَيْبَ فِيهِ} ، وقد ارتاب فيه المرتابون؟
قيل: معناه أنه حق في نفسه وصدق، وإن ارتاب المبطلون، كما قال الشاعر:
ليس في الحق يا أُمَيمةَ رَيْبٌ ... إنَّما الرَّيْبُ ما يَقُول الكَذُوبُ
فنفى الريب عن الحق، وإن كان المتقاصر في العلم يرتاب.