قيل له: أما معناه عندنا، فإنه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رَسولي وحزبي وأوليائي مَنْ يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، فقال جل ثناؤه:"إلا لنعلم"، ومعناه: ليعلمَ رَسولي وأوليائي. إذْ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولياؤهُ من حزبه، وكان من شَأن العرب إضافة ما فعلته أتباعُ الرئيس إلى الرئيس، ومَا فعل بهم إليه، نحو قولهم:"فتح عُمر بن الخطاب سَوادَ العراق، وجَبى خَرَاجها"، وإنما فعل ذلك أصحابه، عن سببٍ كان منه في ذلك. وكالذي رُوي في نظيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله جل ثناؤه: مَرضْتُ فلم يَعدني عَبدي، واستقرضته فلم يقرضني، وشتمني ولم يَنبغِ له أن يُشتمني.
فأضاف تعالى ذكره الاستقراض والعيادة إلى نفسه، وقد كان ذلك بغيره، إذ كان ذلك عن سببه.
وقد حكي عن العرب سماعًا:"أجوع في غَيْر بَطني، وأعرى في غير ظهْري"، بمعنى: جُوعَ أهله وعياله وعُرْيَ ظهورهم، فكذلك قوله:"إلا لنعلم"، بمعنى: يعلم أوليائي وحزبي.
وقال بعضهم: إنما قيل ذلك، من أجل أن العرَب تَضع"العلم"مكان"الرؤية"، و"الرؤية"مكان"العلم"، كما قَال جلّ ذكره: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) [سورة الفيل: 1] ، فزعم أن معنى"ألم تر"، ألم تعلم؟ وزعم أن معنى قوله:"إلا لنعلم"، بمعنى: إلا لنرى من يتبع الرسول. وزعم أنّ قول القائل:"رأيتُ، وعَلمت، وشَهدت"، حروفٌ تتعاقب، فيوضَع بعضها موضع بعض، كما قال جرير بن عطية
كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ لَقِيطًا وَحَاجِبًا ... وَعَمْرَو بن عَمْرٍو إذْ دَعَا يَالَ دَارِمِ
بمعنى: كأنك لم تعلم لَقيطًا، لأنّ بين هُلْك لَقيط وحاجب وزمان جرير، ما لا يخفى بُعده من المدة. وذلك أنّ الذين ذكرهم هلكوا في الجاهلية، وجريرٌ كان بعد بُرْهة مَضَت من مجيء الإسلام.