فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 40

الفقراء على الوفاء باحتياجاتهم من دخولهم سيما في ظل مجاوزة الاعتدال وأثر المحاكاة في مجتمع وصل إلى مستويات استهلاكية غير مسبوقة. وقد ساعد على تغذية هذه الديون ترك العنان للرغبة النهمة في تحقيق الأرباح من قبل مؤسسات الإقراض وقبول هذه المؤسسات تعاطي مخاطر مرتفعة, وآلية الفائدة التي لا تربط التمويل بالفرص الحقيقية في الاقتصاد, وغياب تفعيل ضوابط تلتزم بها المؤسسات المالية وتراقبها أجهزة الدولة.

وكذلك فإن الدولة يوجه دفتها نخب الأغنياء الذين تحركهم الفردية والنفعية بلا رعاية للمصلحة العامة تاركين هذه المهمة لمخدر يسمى اليد الخفية, ويمارسون الفساد, وأدى ذلك إلى تفاقم سوء توزيع الثروات ودفع بالدولة إلى حروب ظالمة. وأدى الأمران, مع عوامل أخرى, إلى انفلات الإنفاق العام الاجتماعي والعسكري, وانتهى بالدولة إلى الاستدانة المفرطة.

والقطاع الخاص الاستثماري الذي تحركه الفردية والنفعية, أسرف في أساليب تعظيم الأرباح وابتكر أساليب تبتعد بالاقتصاد عن مقدراته الحقيقية, وابتعد عن أساليب الكسب العادلة التي تجد مبررها فيما تضيفه من قيمة للاقتصاد الحقيقي, وعمل باستمرار على تغذية الاستهلاك المحروم والمسرف, والاستثمار المالي المنفصل عن الأصول العينية ذات الصلة الوثيقة بالوفاء بالحاجات, وغذى وتغذى بالاستدانة وجعلها المكون الرئيسي في هيكل التمويل وابتعد كثيرا عن الالتزام في الإنفاق بحدود الاستطاعة الحقيقية وهي من العدل في الإنفاق, ووأد المنافسة (التي تسهم في تحديد القيم العادلة) , وأساء توجيه الحافز الفردي, وهما جناحان رئيسان لما تحقق من تقدم اقتصادي في ظل النظام الرأسمالي. وفي ظل حرية التجارة, وتحت وطأة الرغبة المحمومة في جني مزيد من الأرباح وطّن رجال الصناعة مشروعاتهم في دول ذات أجور أرخص مثل الصين والمكسيك لتخفيض تكلفة العمل, وعززت الدولة توجهاتهم هذه دون أخذ للاعتبار نتائج ذلك على زيادة مستويات البطالة, وضم أعداد جديدة للمتعطلين, وتخفيض للطلب الكلي, وعجز مزيد من الناس عن الوفاء باحتياجاتهم, وازدياد الطلب على الائتمان الاستهلاكي, الذي يسرته مؤسسات الإقراض رغبة في مزيد من الأرباح, رغم ما يكتنفه من مخاطر وما يصاحبه من خلق للائتمان لا يقابله سلع وخدمات.

واشترت دول كثيرة, خوفا وطمعا, سندات ديون هذا الاقتصاد, ومولوا هذا الإسراف الأمريكي الذي يجاوز طاقة الاقتصاد, كما ربط كثير من الدول عملاتها بالدولار الأمريكي. وانتشرت قيم هذا الاقتصاد, وخاصة التمويل غير الرشيد بالاستدانة والاستهلاك بالدين, والمضاربات, والتعامل بالمؤشرات والمستقبليات, وتم هذا الانتشار من خلال آليات العولمة, وعلى رأسها التحرير غير المنضبط للخدمات المالية والأسواق المالية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت