فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 40

وكان من أهم النتائج التي ترتبت على ما تقدم انتفاخ الاقتصاد المالي, وزيادة مفرطة في عرض الدولار تجاوزت كثيرا معدلات السيولة العامة المطلوبة لتمويل النمو في الاقتصاد الحقيقي في إطار من الاستقرار.

وعندما انهار الوثن المالي الأجوف في الولايات المتحدة الأمريكية وانفجر الانتفاخ المالي بعد توقف المدينين عن سداد ديونهم, وعادت إلى الأصول العينية قيمها الحقيقية, دفع الثمن الخائفون والطامعون ممن تركوا توطين الاستثمارات في أوطانهم وتعاطوا ديون الاقتصاد الأمريكي, وكذلك من ربطوا عملاتهم بالدولار الأمريكي, وشاركتهم حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وأغنياء أمريكا بنصيب غير يسير في دفع الثمن, وبدت عورات الفقراء بلا غطاء, عورات تعكس انعدام العدالة في توزيع الثروات والدخول, وتعكس الإسراف ومجاوزة الاعتدال.

هكذا فإن الدول الأخرى شاركت في دفع فاتورة الإسراف الأمريكي على المستويين الحكومي والشعبي, وفاتورة انفلات هذا الاقتصاد من الضوابط وتحليقه لا بل قل وترديه في سفوح الوهم المالي, وفاتورة التفاوت الشديد في توزيع الثروات والدخول في هذا الاقتصاد واقتصادات أخرى كثيرة في العالم.

إن الأمر ببساطة, فيما يتعلق بأزمة الائتمان العقاري, أحد أهم الأسباب الظاهرية للأزمة المالية العالمية المعاصرة, هو: مدينون مغبون حقهم من الثروات والدخول, وربما مسرفون, يعيشون بالدين ويجاوزون الاستطاعة, ودائنون شرهون طامعون, يقرضون بفوائد باهظة متحركة قابلة للزيادة بحسب تحرك أسعار الفائدة وغير قابلة للاستجابة لانخفاضها, ويورّقون الديون مرات عديدة, ويرهنون, ويؤمّنون ويعيدون التأمين على الديون, ويمارسون مضاربات على فروق الأسعار وتعاملات من قبيل الميسر. وآلية للفائدة الثابتة (الربا) يسرت من هذه التعاملات في ظل فردية جامحة ودولة لا تمارس دورا مطلوبا لضبط الاقتصاد. وكل هذه الحلقات وغيرها صاحبها إيجاد للائتمان, ومكاسب بغير ما إضافة للاقتصاد الحقيقي, ومساس بعدالة أداة قياس القيم (الدولار) . وكان لا بد بعد حين طال أم قصر أن يتوقف المدينون الفقراء والمسرفون عن السداد, وعندما حان الحين وأزفت الآزفة, توقف المدينون عن السداد, وتداعت الحلقات.

إن غياب دور الدولة في ضبط الاقتصاد, وغياب ضوابط السلوك للدولة والمجتمع, على نحو يحقق التعامل الرشيد مع الأموال التي هي قيام الحياة, وغياب المؤسسات التي تؤمن تحقيق التوازن بين المصالح الخاصة بعضها البعض, وبين هذه المصالح والمصلحة العامة, وكذا تركيز الثروات, كل ذلك ثمار منطقية للفلسفة الفردية النفعية التي ترى الفرد كائنا ضالته اللذة والمنفعة, والتي تعتبر الفرد مصدر القيم والأحكام, وتولى ثقة مطلقة للعقل البشري في المقدرة على تحديد ما ينفعه, والمقدرة على تحقيق نهايات قصوى لمنفعته في الأحوال المختلفة إن هو تركت له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت