فمن المكاشفات المهمة التي أعقبت الأزمة مباشرة الاعتراف الصريح بدور التغييب المتعمد للاعتبارات الأخلاقية والتأثير الكبير للسلوك الفردي في ظهور الأزمة وتفاقمها، وقد وصل النقاش حول هذا البعد قمته مؤخرا عندما كشف تقرير لمنظمة الشفافية العالمية لعام 2009 م أن العالم ينفق ما بين 20 و 40 مليار دولار على الرشاوى سنويا في القطاع الخاص (وهو رقم صغير جدا بالنسبة لما ينفق بالفعل) ، وهو رقم يعادل حوالي 20% إلى 40% من المساعدات التنموية الرسمية، والأمر الذي يلحق ضررا بالغا بالتجارة والتنمية والمستهلك.
وكشف التقرير عن ثغرة خطيرة هي انعدام فعالية الإجراءات التي تتخذها الحكومات لمواجهة الفساد، وأنه من الطبيعي, مع اتساع نطاق الاستعداد لدفع الرشوة ووجود ثغرة في جدار مواجهة الفساد, أن ينتشر الفساد ويستشري داخل الأحزاب السياسية والبرلمانات والإدارات العامة. وحتى لو كان هذا الانتشار الذي يصفه التقرير مجرد"صورة ذهنية"في أذهان المشاركين فإنهم حتما سيتصرفون بناء على هذه الصورة مما سيساهم في المزيد من انتشار الفساد!.
ورصد التقرير تجاهل الشركات الالتزام بالقانون والقيام بمشروعات تتصف بالتهور وعدم الشعور بالمسؤولية وعدم التبصر بالعواقب مثل تنفيذ مبان غير آمنة هندسيا مما يترتب عليه تعرضها للانهيار مع عواقب وخيمة في الأرواح والأموال في تركيا، والأدوية غير الآمنة في نيجيريا, وظروف العمل الاستغلالية في الصين، ونقص المياه في أسبانيا.
والتقرير من جانب آخر يدق جرس إنذار لخطر أكبر، ففكرة المنافسة تعد أثمن ما وصل إليه العقل الاقتصادي الغربي وإليها ينسب الفضل في النجاح الاقتصادي الاستثنائي الذي أحرزه الغرب منذ الحرب العالمية الثانية، وهي المحرك الرئيسي لحركة الاختراع والابتكار المدهشة التي شهدها الغرب خلال الفترة المشار إليها. وبسبب هذه الأهمية الاستثنائية لقيمة المنافسة فإن التقرير يحذر بشدة من أن الفساد يوشك أن يقوض المنافسة الشريفة والأسعار المعقولة العادلة والكفاءة في مختلف أنحاء العالم. وهو بشكل مباشر يؤدي إلى زيادة تكاليف المشروعات، وتشير التقديرات إلى أن التحسن في مؤشر مدركات الفساد بزيادة نقطة واحدة يعني زيادة في متوسط الدخل بحوالي 4%، فضلا أن زيادة الكلفة تعني للشركات العجز عن المنافسة.