الصفحة 13 من 36

من بايع على هذا، من أمضى عقد الصفقة، من ارتضى الثمن ووفى، فهو المؤمن، فالمؤمنون هم الذين اشترى اللّه منهم فباعوا، ومن رحمة اللّه أن جعل للصفقة ثمنا، وإلا فهو واهب الأنفس والأموال، وهو مالك الأنفس والأموال، ولكنه كرم هذا الإنسان فجعله مريدًا؛ وكرمه فجعل له أن يعقد العقود ويمضيها -حتى مع اللّه- وكرمه فقيده بعقوده وعهوده؛ وجعل وفاءه بها مقياس إنسانيته الكريمة، ونقضه لها هو مقياس ارتكاسه إلى عالم البهيمة: شر البهيمة، {إن شر الدواب عند اللّه الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون} ، كما جعل مناط الحساب والجزاء هو النقض أو الوفاء، وإنها لبيعة رهيبة -بلا شك-ولكنها في عنق كل مؤمن -قادر عليها- لا تسقط عنه إلا بسقوط إيمانه، ومن هنا تلك الرهبة التي أستشعرها اللحظة وأنا أخط هذه الكلمات:

{إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون}

عونك اللهم! فإن العقد رهيب، وهؤلاء الذين يزعمون أنفسهم"مسلمين"في مشارق الأرض ومغاربها، قاعدون، لا يجاهدون لتقرير ألوهية اللّه في الأرض، وطرد الطواغيت الغاصبة لحقوق الربوبية وخصائصها في حياة العباد، ولا يَقتلون، ولا يُقتلون، ولا يجاهدون جهادًا ما دون القتل والقتال!

ولقد كانت هذه الكلمات تطرق قلوب مستمعيها الأولين على عهد رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- فتتحول من فورها في القلوب المؤمنة إلى واقع من واقع حياتهم، ولم تكن مجرد معان يتملونها بأذهانهم، أو يحسونها مجردة في مشاعرهم، كانوا يتلقونها للعمل المباشر بها، لتحويلها إلى حركة منظورة، لا إلى صورة متأملة، هكذا أدركها عبد اللّه بن رواحة -رضي اللّه عنه- في بيعة العقبة الثانية، قال محمد بن كعب القرظي وغيره: قال عبد الله بن رواحة رضي اللّه عنه، لرسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- يعني ليلة العقبة: (اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. قال: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك، قال: الجنة. قالوا: ربح البيع، ولا نقيل ولا نستقيل) . اهـ] ظلال القرآن[

قال ابن القيم: (فكان تقديم الأنفس هو الأولى لأنها هي المشتراة في الحقيقة وهي مورد العقد، وهي السلعة التي استامها ربها وطلب شراءها لنفسه وجعل ثمن هذا العقد رضاه وجنته، فكانت هي المقصود بعقد الشراء والأموال تبع لها، فإذا ملكها مشتريها ملك مالها، فإن العبد وما يملكه لسيده ليس له فيه شيء، فالمالك الحق إذا ملك النفس ملك أموالها ومتعلقاتها، فحسن تقديم النفس على المال في هذه الآية حسنًا لا مزيد عليه) اهـ]من بدائع الفوائد [.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت