فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 43

الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل الله ما يشاء وهو غير ظالم أبدا.

"لا يُسألُ عمَّا يَفعل وهُم يُسْألُون" (الأنبياء: 23) .

مسألة: قال أهل الحق: أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وهي من العباد كسب، والكسب استعمال ما أوجده الله تعالى لاستحالة قدرة التخليق والإيجاد من العبد على ما نبين إن شاء الله تعالى.

وقد قال الجهم بن صفوان وسائر الجهمية: إنها من الله تعالى خلقًا وإيجادًا، ولم يثبتوا للعباد قدرة بل جعلوها كلها اضطرارية كحركات المرتعش وحركات العروق النابضة، وهو مذهب النصارى.

وقال القدرية: من العبد إيجادًا وخلقًا شاء الله أو لم يشأ: وهو مذهب اليهود.

والحجة لأهل الحق: الدلائل من الكتاب العزيز وهو قوله تعالى:"خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" (الرعد: 16) . وقوله:"وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" (الصافات: 96) .

أي: وعلمكم لأن كلمة"ما"إذا اتصلت بالفعل تكون عبارة عن المصدر، تقول: أعجبني"ما"صنعت أي: صنعك، فهذا رد على المعتزلة، والله تعالى أثبت للعباد فعلًا بقوله تعالى:"جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الأحقاف: 14، الواقعة: 24) .

وقوله تعالى:"اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ" (فصلت: 40) ."وَافْعَلُوا الْخَيْرَ" (الحج:77) .

وقوله:"فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ" (الزلزلة: 7) .

وهذا رد على الجبرية.

ومن جهة العقل: فإن الله تعالى أمر عباده بالطاعة، ووعدهم جزيل الثواب على فعلها، ونهاهم عن المعصية وأوعدهم العقاب على ارتكابها، ولو لم يكن للعبد فعل لبطل الأمر والنهي والوعد والوعيد ولصار -والعياذ بالله-أن فاعل الطاعة والمعصية والمأمور والمنهي والمثاب والمعاقب، هو الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

فبطل قول الجبرية.

وأما إبطال قول المعتزلة من حيث الدلائل العقلية منها: ما استدل به أبو حنيفة رضي الله عنها لما سأله عمرو بن عبيد عن هذه المسألة فإنه قال: لا خالق إلا الله، ولا مدبر إلا هو، ومن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت