فهرس الكتاب

الصفحة 980 من 2585

لها وليس عندنا في العلم الإلهي مسألة أغمض من هذه المسألة فإن الممكنات على مذهب الجماعة ما استفادت من الحق إلا الوجود وما يدري أحد ما معنى قولهم ما استفادت إلا الوجود إلا من كشف الله عن بصيرته وأصحاب هذا الإطلاق لا يعرفون معناه على ما هو الأمر عليه في نفسه فإنه ما ثم موجود إلا الله تعالى والممكنات في حال العدم فهذا الوجود المستفاد إما أن يكون موجودا وما هو الله ولا أعيان الممكنات وإما أن يكون عبارة عن وجود الحق فإن كان أمرا زائدا ما هو الحق ولا عين الممكنات فلا يخلو أن يكون هذا الوجود موجودا فيكون موصوفا بنفسه وذلك هو الحق لأنه قد قام الدليل على أنه ما ثم وجود أزلا إلا وجود الحق فهو واجب الوجود لنفسه فثبت أنه ما ثم موجود لنفسه غير الله فقبلت أعيان الممكنات بحقائقها وجود الحق لأنه ما ثم وجود إلا هو وهو قوله وما خَلَقْنَا السَّماواتِ والْأَرْضَ وما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وهو الوجود الصرف فانطلق عليه ما تعطيه حقائق الأعيان فحدث الحدود وظهرت المقادير ونفذ الحكم والقضاء وظهر العلو والسفل والوسط والمختلفات والمتقابلات وأصناف الموجودات أجناسها وأنواعها وأشخاصها وأحوالها وأحكامها في عين واحدة فتميزت الأشكال فيها وظهرت أسماء الحق وكان لها الأثر فيما ظهر في الوجود غيرة أن تنسب تلك الآثار إلى أعيان الممكنات في الظاهر فيها وإذا كانت الآثار للأسماء الإلهية والاسم هو المسمى فما في الوجود إلا الله فهو الحاكم وهو القابل فإنه قابل التوب فوصف نفسه بالقبول ومع هذا فتحرير هذه المسألة عسير جدا فإن العبارة تقصر عنها والتصور لا يضبطها لسرعة تفلتها وتناقض أحكامها فإنها مثل قوله وما رَمَيْتَ فنفى إِذْ رَمَيْتَ فأثبت ولكِنَّ الله رَمى فنفى كون محمد وأثبت نفسه عين محمد وجعل له اسم الله فهذا حكم هذه المسألة بل هو عينها لمن تحقق فهذا معنى ترك العبودية في خصوص العلماء بالله

[عبودية التصريف وعبودية الإمكان]

وأما من نزل منهم عن هذه الطبقة فإنه يقول لا يصح تركها باطنا لوجود الافتقار الذي لا ينكره المحدث من نفسه فلا بد أن يذله فتلك الذلة عين العبودية إلا أن يؤخذ الإنسان عن معرفته بنفسه وأما تركها من باب المعرفة فهو أن العبد إذا نظرته من حيث تصرفه لا من حيث ما هو ممكن وأطلقت عليه اسم العبودة من ذلك الباب فيمكن في المعرفة تركها من باب التصرف لا من باب الإمكان وذلك أن حقيقة العبودية الوقوف عند أوامر السيد وما هنا مأمور إلا من يصح منه الفعل بما أمر به والأفعال خلق الله فهو الآمر والمأمور فأين التصرف الحقيقي الذي به يسمى العبد عبدا قائما بأوامر سيده أو منازعا له فيتصف بالإباق فبقي المسمى عبدا على ظهور الاقتدار الإلهي بجريان الفعل على ظاهره وباطنه إما بموافقة الأمر أو بمخالفته وإذا كان هذا على ما ذكرناه فلا عبودية تصريف فهو أعني العبد موجود بلا حكم وهذا مقام تحقيقه عند جميع علماء الذوق من أهل الله إلا طائفة من أصحابنا وغيرهم ممن ليس منا يرون خلاف ذلك وأن الممكن له فعل وأن الله قد فوض إلى عباده أن يفعلوا بعض الممكنات من الأفعال فكلفهم فعلها فقال أَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأَتِمُّوا الْحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ وجاهِدُوا في الله وأمثال هذا فإذا أثبتوا أن للعبد فعلا لم يصح ترك عبودية التصريف وأما عبودية الإمكان فأجمعوا على كونها وأنه لا يتصور تركها فإن ذلك ذاتي للممكن وبعض أصحابنا يلحظ في ترك العبودية كون الحق قوى العبد وجوارحه فإنه يغيب عن عبوديته في تلك الحال فهو ترك حال لا ترك حقيقة انتهى الجزء المائة.

(الباب الثاني والثلاثون ومائة في معرفة مقام الاستقامة)

للمستقيم ولاية مخصوصة شملت جميع الكون في تخصيصها

للمستقيم تنزلت أرواحه بالطيب المكنون في تنصيصها

الاستقامة نزلت أربابها منها منازل لم تنل بخصوصها

هي نعته سبحانه في قصة قد قالها فانظره في منصوصها

[لزوم ما لا يلزم من غير قصد إلى ذلك]

جاءت هذه الأبيات لزوم ما لا يلزم من غير قصد وكذلك أمثالها فإنما أنطق بما يجريه الله فينا من غير تعمل ولا روية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت