فهرس الكتاب

الصفحة 2132 من 2585

في صورة ممكن ولهذا نادبنا في قولنا إن الله لا ينبغي أن يقال إنه يجوز أن يفعل كذا ويجوز أن لا يفعله ونقول يجوز أن يكون هذا الممكن ويجوز أن لا يكون كما أنه إذا ظهر الاضطرار من العبد إنما يظهر ذلك منه بصورة حق لا بنفسه لأنه لا يكون عبدا إلا بقيامه بمراسم سيده وهو مسلوب الفعل بالأصالة فلا بد أن تظهر بصورة حق إذا ظهر بعبوديته التي هي العمل بما كلف فعله ولذلك لم يقل الحق إنه هوية الشي ء وإنما قال إنه هوية العبد فعلمنا إن حكم العبد ما هو حكم الشي ء فحكم النفل أحق بالعبد لو لا ما فيه من روائح الربوبية وحكم الفرض أحق بالرب لو لا ما فيه من روائح العبودية فليجعل حكم كل واحد في الموطن الذي جعله الله فيكون الله هو الجاعل لا نحن فنخلص ونسلم من الاعتراض علينا عند السؤال من الله إيانا

[إن الله تعالى جعل في محبة الجزاء غفر الذنوب]

ثم إن الله تعالى جعل في محبة الجزاء وهي محبة الكرامة غفر الذنوب وهو سترها وختم الآية بأنه لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ والكافر الساتر وهو تعالى ساتر الذنوب فعلمنا أنه لا يحب من عباده من يستر نعمه كانت النعم ما كانت فإنه قال وأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ وما تحدث به لم يستر وقال التحدث بالنعم شكر وإذا أنعم الله على عبد نعمة أحب أن ترى عليه ونعمه التي أسبغها على عباده ظاهرة وباطنة ومن ستر نعمة الله فقد كفر بها ومن كفر بها أذاقه الله لِباسَ الْجُوعِ والْخَوْفِ بصنيعة ذلك ولهذا قيد الله ستره بالذنوب وهي البقايا التي أبقاها الله لعباده ليتعلموا الأدب مع الله فينسبون الطاعة والخير لله ويجعلونه بيد الله وينسبون الذنب والمعصية لنفوسهم فلهذا قلنا أبقاها الله فهذا نصيبهم مما هو لله فإنه كل من عند الله لكن هؤلاء المحجوبون لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا بل يقولون كل ذلك لله في غير الموطن الذي جعله الله لهذا القول وذلك لجهلهم بالمواطن وهذا القدر كاف فإن المجال فيه واسع لاتساع ميدانه لكون العالم ما أوجده الله إلا عن الحب والحب يستصحب جميع المقامات والأحوال فهو سار في الأمور كلها فلذلك يتفصل الأمر فيه إلى غير نهاية وأصل الحب النسب وهي الروابط ومع الروابط لا يثبت توحيد أصلا ولهذا قال بعضهم من وحد فقد أشرك كما يقول من قال بالجمع فقد فرق بلا شك.

والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«الباب الثاني والسبعون وأربعمائة في حال قطب كان منزله الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ الله وأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ»

من يستمع قول من تعنو الوجوه له يفز بحسن الذي يأتيه في كلمه

وهو الحكيم فمن في الكون حكمته وأنت في كونه فأنت من حكمه

فمنك تسمع إن حققت ما سمعت أذناك من قوله في رتبتي قدمه

العرش يفرد ما الكرسي يقسمه من الخطاب لما في القول من قدمه

إن الحدوث له وجه لمحدثه وآخر ناظر منه إلى عدمه

قال الله جل جلاله ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ وقال تعالى ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ

[أن كل كلام في العالم كلام الله تعالى]

اعلم أن هذا تنبيه من الحق على إن كل كلام في العالم كلامه لأنه ما أتى من الله إلينا إلا كل ذكر محدث لأن الإتيان يحدث بلا شك في الآتي وما أتى إلا من قام به الحادث وليس إلا الصورة التي يتجلى فيها في أعين الناظرين ويتخلى عنها في أعين الناظرين فما ثم إلا سامع ومتكلم وقائل ومقول له ومقول به ومقول وكله حسن إلا أنه بين حسن وأحسن فكل كلام حسن وما وافق الغرض من القول فهو أحسن فالقول كله حسن وأما قوله لا يُحِبُّ الله الْجَهْرَ بِالسُّوءِ من الْقَوْلِ فنفى المحبة أن يكون متعلقها الجهر بالسوء من القول والسوء من القول أن يقول في القول إنه سوء ولا قائل به إلا الله والجهر بالسوء قد يكون قولا وقد يكون في الأفعال التي لا تكون قولا فيريد بالجهر فيها ظهور الفحشاء من العبد كما

قال صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم من بلي منكم بهذه القاذورات فليستتر

يعني لا يجهر بها والسوء على نوعين سوء شرعي وسوء ما يسوؤك وإن حمده الشرع ولم يدمه فقد يكون هذا السوء من كونه يسوءك لا إن السوء فيه حكم الله كما قال تعالى وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فالسيئة الأولى شرعية لأنه تعدى والسيئة الأخرى ما يسوء المجازي عليها وليس الجزاء بسيئة مشروعة لأن الله لا يشرع السوء ولما وقع الاصطلاح في اللسان على السيئ والحسن نزل الشرع من عند الله بحسب التواطؤ فهم سموه سوء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت