فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 2585

تيقنت أن الأمر غيب وأنه لدى الكشف والتحقيق حي ومرئي

قلت فعند ما وقعت مني هذه الأبيات وألحقت بيته المكرم من جهة ما بجانب الأموات خطفني مني خطفة قاهر وقال لي قولة رادع زاجر انظر إلى سر البيت قبل الفوت تجده زاهيا بالمطيفين والطائفين بأحجاره ناظرا إليهم من خلف حجبه وأستاره فرأيته يزهو كما قال فأفصحت له في المقال وأنشدته في عالم المثال على الارتجال

أرى البيت يزهو بالمطيفين حوله وما الزهو إلا من حكيم له صنع

وهذا جماد لا يحس ولا يرى وليس له عقل وليس له سمع

فقال شخيص هذه طاعة لنا قد أثبتها طول الحياة لنا الشرع

فقلت له هذا بلاغك فاستمع مقالة من أبدى له الحكمة الوضع

رأيت جمادا لا حياة بذاته وليس له ضر وليس له نفع

ولكن لعين القلب فيه مناظر إذا لم يكن بالعين ضعف ولا صدع

يراه عزيزا إن تجلى بذاته فليس لمخلوق على حمله وسع

فكنت أبا حفص وكنت علينا فمني العطاء الجزل والقبض والمنع

(وصل) [منزلة الفتى الفائت المتكلم الصامت]

ثم إنه أطلعني على منزلة ذلك الفتى ونزاهته عن أين ومتى فلما عرفت منزلته وإنزاله وعانيت مكانته من الوجود وأحواله قبلت يمينه ومسحت من عرق الوحي جبينه وقلت له انظر من طالب مجالستك وراغب في مؤانستك فأشار إلى إيماء ولغزا إنه فطر على أن لا يكلم أحدا إلا رمزا وإن رمزى إذا علمته وتحققته وفهمته علمت أنه لا تدركه فصاحة الفصحاء ونطقه لا تبلغه بلاغة البلغاء فقلت له يا أيها البشير وهذا خير كثير فعرفني باصطلاحك وأوقفني على كيفية حركات مفتاحك فإني أريد مسامرتك وأحب مصاهرتك فإن عندك الكفؤ والنظير وهو النازل بذاتك والأمير ولو لا ما كانت لك حقيقة ظاهرة ما تطلعت إليه وجوه ناضرة ناظرة فأشار فعلمت وجلى لي حقيقة جماله فهيمت فسقط في يدي وغلبني في الحين علي فعند ما أفقت من الغشية وأرعدت فرائصى من الخشية علم أن العلم به قد حصل وألقى عصا سيره ونزل فتلا حاله على ما جاءت به الأنباء وتنزلت به الملائكة الأمناء إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِهِ الْعُلَماءُ فجعلها دليلا واتخذها إلى معرفة العلم الحاصل به سبيلا فقلت له أطلعني على بعض أسرارك حتى أكون من جملة أحبارك فقال انظر في تفاصيل نشأتي وفي ترتيب هيأتي تجد ما سألتني عنه في مرقوما فإني لا أكون مكلما ولا كليما فليس علمي بسواي وليست ذاتي مغايرة لأسمائي فأنا العلم والمعلوم والعليم وأنا الحكمة والمحكم والحكيم ثم قال لي طف على أثري وانظر إلي بنور قمري حتى تأخذ من نشأتي ما تسطره في كتابك وتمليه على كتابك وعرفني ما أشهدك الحق في طوافك من اللطائف مما لا يشهده كل طائف حتى أعرف همتك ومعناك فأذكرك على ما علمت منك هناك

[تلويحات ببعض أسرار الوجود واكتشاف الذاتية]

فقلت أنا أعرفك أيها الشاهد المشهود ببعض ما أشهدني من أسرار الوجود المترفلات في غلائل النور والمتحدات العين من وراء الستور التي أنشأها الحق حجابا مرفوعا وسماء موضوعا والفعل إلى الذات لطيف ولعدم دركه على شريف

فوصفه ألطف من ذاته وفعله ألطف من وصفه

وأودع الكل بذاتي كما أودع معنى الشي ء في حرفه

فالخلق مطلوب لمعنى كما يطلب ذات المسك من عرفه

ولو لا ما أودع في ما اقتضته حقيقتي ووصلت إليه طريقتي لم أجد لمشربه نيلا ولا إلى معرفته ميلا ولذلك أعود علي عند النهاية ولهذا يرجع فخذ البركار في فتح الدائرة عند الوصول إلى غاية وجودها إلى نقطة البداية فارتبط آخر الأمر بأوله وانعطف أبده على أزله فليس إلا وجود مستمر وشهود ثابت مستقر وإنما طال الطريق من أجل رؤية المخلوق فلو صرف العبد وجهه إلى الذي يليه من غير أن يخل فيه لنظر إلى السالكين إذا وصلوا بعين بئس والله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت