فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 2585

الحادث في المقدمتين وهو الرابط بينهما فإذا ارتبطا سمي ذلك الارتباط وجه الدليل وسمي اجتماعهما دليلا وبرهانا فينتج بالضرورة أن حدوث العالم له سبب فالعلة الحدوث والحكم السبب فالحكم أعم من العلة فإنه يشترط في هذا العلم أن يكون الحكم أعم من العلة أو مساويا لها وإن لم يكن كذلك فإنه لا يصدق هذا في الأمور العقلية وأما مأخذها في الشرعيات فإذا أردت أن تعلم مثلا أن النبيذ حرام بهذه الطريقة فتقول كل مسكر حرام والنبيذ مسكر فهو حرام وتعتبر في ذلك ما اعتبرت في الأمور العقلية كما مثلت لك فالحكم التحريم والعلة الإسكار فالحكم أعم من العلة الموجبة للتحريم فإن التحريم قد يكون له سبب آخر غير السكر في أمر آخر كالتحريم في الغصب والسرقة والجناية وكل ذلك علل في وجود التحريم في المحرم فلهذا الوجه المخصوص صدق فقد بان لك بالتقريب ميزان المعاني وأن النتائج إنما ظهرت بالتوالج الذي في المقدمتين اللذين هما كالأبوين في الحس وأن المقدمتين مركبة من ثلاثة أو ما هو في حكم الثلاثة فإنه قد يكون للجملة معنى الواحد في الإضافة والشرط فلم تظهر نتيجة إلا من الفردية إذ لو كان الشفع ولا يصحبه الواحد صحبة خاصة ما صح أن يوجد عن الشفع شي ء أبدا فبطل الشريك في وجود العالم وثبت الفعل للواحد وأنه بوجوده ظهرت الموجودات عن الموجودات فتبين لك أن أفعال العباد وإن ظهرت منهم أنه لو لا الله ما ظهر لهم فعل أصلا فجمع هذا الميزان بين إضافة الأعمال إلى العباد بالصورة وإيجاد تلك الأفعال لله تعالى وهو قوله والله خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ أي وخلق ما تعملون فنسب العمل إليهم وإيجاده لله تعالى والخلق قد يكون بمعنى الإيجاد ويكون بمعنى التقدير كما أنه قد يكون بمعنى الفعل مثل قوله تعالى ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ ويكون بمعنى المخلوق مثل قوله هذا خَلْقُ الله

[العشق في العالم الإلهي]

وأما هذا التوالج في العلم الإلهي والتوالد فاعلم إن ذات الحق تعالى لم يظهر عنها شي ء أصلا من كونها ذاتا غير منسوب إليها أمر آخر وهو أن ينسب إلى هذه الذات أنها قادرة على الإيجاد عند أهل السنة أهل الحق أو ينسب إليها كونها علة وليس هذا مذهب أهل الحق ولا يصح وهذا مما لا يحتاج إليه ولكن كان الغرض في سياقه من أجل مخالفي أهل الحق لنقرر عنده أنه ما نسب وجود العالم لهذه الذات من كونها ذاتا وإنما نسبوا العالم لها بالوجود من كونها علة فلهذا أوردنا مقالتهم ومع هذه النسبة وهي كونه قادرا لا بد من أمر ثالث وهو إرادة الإيجاد لهذه العين المقصودة بأن توجد ولا بد من التوجه بالقصد إلى إيجادها بالقدرة عقلا وبالقول شرعا بأن تتكون فما وجد الخلق إلا عن الفردية لا عن الأحدية لأن أحديته لا تقبل الثاني لأنها ليست أحدية عدد فكان ظهور العالم في العلم الإلهي عن ثلاث حقائق معقولة فسرى ذلك في توالد الكون بعضه عن بعض لكون الأصل على هذه الصورة ويكفي هذا القدر من هذا الباب فقد حصل المقصود بهذا التنبيه فإن هذا الفن في مثل طريق أهل الله لا يحتمل أكثر من هذا فإنه ليس من علوم الفكر هذا الكتاب وإنما هو من علوم التلقي والتدلي فلا يحتاج فيه إلى ميزان آخر غير هذا وإن كان له به ارتباط فإنه لا يخلو عنه جملة واحدة ولكن بعد تصحيح المقدمات من العلم بمفرداتها بالحد الذي لا يمنع والمقدمات بالبرهان الذي لا يدفع بقول الله في هذا الباب لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتا فهذا مما كنا بصدده في هذا الباب وهذه الآية وأمثالها أحوجتنا إلى ذكر هذا الفن ومن باب الكشف لم يشتغل أهل الله بهذا الفن من العلوم لتضييع الوقت وعمر الإنسان عزيز ينبغي أن لا يقطعه الإنسان إلا في مجالسة ربه والحديث معه على ما شرعه له والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء الخامس عشر والحمد لله

(بسم الله الرحمن الرحيم)

«الباب الثاني والعشرون في معرفة علم منزل المنازل وترتيب جميع العلوم الكونية»

عجبا لأقوال النفوس السامية إن المنازل في المنازل سارية

كيف العروج من الحضيض إلى العلى إلا بقهر الحضرة المتعالية

فصناعة التحليل في معراجها نحو اللطائف والأمور السامية

وصناعة التركيب عند رجوعها بسنا الوجود إلى ظلام الهاوية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت