فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 2585

في الموجودات فيؤلفها في ذهنه ووهمه تأليفا لم يسبق إليه في علمه وإن سبق فلا يبالي فإنه في ذلك بمنزلة الأول الذي لم يسبقه أحد إليه كما تفعله الشعراء والكتاب الفصحاء في اختراع المعاني المبتكرة فثم اختراع قد سبق إليه فيتخيل السامع أنه سرقه فلا ينبغي للمخترع أن ينظر إلى أحد إلا إلى ما حدث عنده خاصة إن أراد أن يلتذ ويستمتع بلذة الاختراع ومهما نظر المخترع لأمر ما إلى من سبقه فيه بعد ما اخترعه ربما هلك وتفطرت كبده وأكثر العلماء بالاختراع البلغاء والمهندسون ومن أصحاب الصنائع النجارون والبناءون فهؤلاء أكثر الناس اختراعا وأذكاهم فطرة وأشدهم تصرفا لعقولهم فقد صحت حقيقة الاختراع لمن استخرج بالفكر ما لم يكن يعلم قبل ذلك ولا علمه غيره بالقوة أو بالقوة والفعل إن كان من العلوم التي غايتها العمل والباري سبحانه لم يزل عالما بالعالم أزلا ولم يكن على حالة لم يكن فيها بالعالم غير عالم فما اخترع في نفسه شيئا لم يكن يعلمه فإذ قد ثبت عند العلماء بالله قدم علمه فقد ثبت كونه مخترعا لنا بالفعل لا أنه اخترع مثالنا في نفسه الذي هو صورة علمه بنا إذ كان وجودنا على حد ما كنا في علمه ولو لم يكن كذلك لخرجنا إلى الوجود على حد ما لم يعلمه وما لا يعلمه لا يريده وما لا يريده ولا يعلمه لا يوجده فنكون إذن موجودين بأنفسنا أو بالاتفاق وإذا كان هذا فلا يصح وجودنا عن عدم وقد دل البرهان على وجودنا عن عدم وعلى أنه علمنا وأراد وجودنا وأوجدنا على الصورة الثابتة في علمه بنا ونحن معدومون في أعياننا فلا اختراع في المثال فلم يبق إلا الاختراع في الفعل وهو صحيح لعدم المثال الموجود في العين فتحقق ما ذكرناه وقل بعد ذلك ما شئت فإن شئت وصفته بالاختراع وعدم المثال وإن شئت نفيت هذا عنه نفيته ولكن بعد وقوفك على ما أعلمتك به

«الفصل الثالث في العلم والعالم والمعلوم من الباب الثاني»

العلم والمعلوم والعالم ثلاثة حكمهمو واحد

وإن تشأ أحكامهم مثلهم ثلاثة أثبتها الشاهد

وصاحب الغيب يرى واحدا ليس عليه في العلى زائد

اعلم أيدك الله أن العلم تحصيل القلب أمرا ما على حد ما هو عليه ذلك في نفسه معدوما كان ذلك الأمر أو موجودا فالعلم هو الصفة التي توجب التحصيل من القلب والعالم هو القلب والمعلوم هو ذلك الأمر المحصل وتصور حقيقة العلم عسير جدا ولكن أمهد لتحصيل العلم ما يتبين به إن شاء الله تعالى

[القلب والحضرة الإلهية]

فاعلموا إن القلب مرآة مصقولة كلها وجه لا تصدأ أبدا فإن أطلق يوما عليها أنها صدئت كما

قال عليه السلام إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد

الحديث وفيه إن جلاءها ذكر الله وتلاوة القرآن ولكن من كونه الذكر الحكيم فليس المراد بهذا الصدأ أنه طخاء طلع على وجه القلب ولكنه لما تعلق واشتغل بعلم الأسباب عن العلم بالله كان تعلقه بغير الله صدأ على وجه القلب لأنه المانع من تجلى الحق إلى هذا القلب لأن الحضرة الإلهية متجلاة على الدوام لا يتصور في حقها حجاب عنا فلما لم يقبلها هذا القلب من جهة الخطاب الشرعي المحمود لأنه قبل غيرها عبر عن قبول ذلك الغير بالصدأ والكن والقفل والعمي والران وغير ذلك وإلا فالحق يعطيك أن العلم عنده ولكن بغير الله في علمه وهو بالله في نفس الأمر عند العلماء بالله ومما يؤيد ما قلناه قول الله تعالى وقالُوا قُلُوبُنا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ فكانت في أكنة مما يدعوها الرسول إليه خاصة لا أنها في كن ولكن تعلقت بغير ما تدعى إليه فعميت عن إدراك ما دعيت إليه فلا تبصر شيئا والقلوب أبدا لم تزل مفطورة على الجلاء مصقولة صافية فكل قلب تجلت فيه الحضرة الإلهية من حيث هي ياقوت أحمر الذي هو التجلي الذاتي فذلك قلب المشاهد المكمل العالم الذي لا أحد فوقه في تجل من التجليات ودونه تجلى الصفات ودونهما تجلى الأفعال ولكن من كونها من الحضرة الإلهية ومن لم تتجل له من كونها من الحضرة الإلهية فذلك هو القلب الغافل عن الله تعالى المطرود من قرب الله تعالى

[تصور حقيقة العلم]

فانظر وفقك الله في القلب على حد ما ذكرناه وانظر هل تجعله العلم فلا يصح وإن قلت الصقالة الذاتية له فلا سبيل ولكن هي سبب كما إن ظهور المعلوم للقلب سبب وإن قلت السبب الذي يحصل المعلوم في القلب فلا سبيل وإن قلت المثال المنطبع في النفس من المعلوم وهو تصور المعلوم فلا سبيل فإن قيل لك فما هو العلم فقل درك المدرك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت