فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 2585

في كتاب أو سنة فإنه ينسب إلى هذا الشخص فإن هذا الاسم هو الممد له وليس لاسم إلهي عليه حكم إلا بوساطة هذا الاسم على أي وجه كان ولهذا نقول إن الله سبحانه قد أبطن في مواضع رحمته في عذابه ونقمته كالمريض الذي جعل في عذابه بالمرض رحمته به فيما يكفر عنه من الذنوب فهذه رحمة في نقمة وكذلك من انتقم منه في إقامة الحد من قتل أو ضرب فهو عذاب حاضر فيه رحمة باطنة بها ارتفعت عنه المطالبة في الدار الآخرة كما أنه في نعمته في الدنيا من الاسم المنعم أبطن نقمته فهو ينعم الآن بما به يتعذب لبطون العذاب فيه في الدار الآخرة أو في زمان التوبة فإن الإنسان إذا ناب ونظر وفكر فيما تلذذ به من المحرمات تعود تلك الصور المستحضرة عليه عذابا وكان قبل التوبة حين يستحضرها في ذهنه يلتذ بها غاية اللذة فسبحان من أبطن رحمته في عذابه وعذابه في رحمته ونعمته في نقمته ونقمته في نعمته فالمبطون أبدا هو روح العين الظاهرة أي شي ء كان فهذا الشخص لما كانت معرفته رحمانية وكان الاسم الرحمن استوى على العرش فقال تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى كانت همة هذا الشخص عرشية فكما كان العرش للرحمن كانت الهمة لهذه المعرفة محلا لاستوائها فقيل همته عرشية ومقام هذا الشخص باطن الأعراف وهو السور الذي بين أهل السعادة والشقاوة للاعراف رجال سيذكرون وهم الذين لم تقيدهم صفة كأبي يزيد وغيره وإنما كان مقامه باطن الأعراف لأن معرفته رحمانية وهمته عرشية فإن العرش مستوي الرحمن كذلك باطن الأعراف فيه الرحمة كما إن ظاهره فيه العذاب

[الرحمة عرش الذات الإلهية]

فهذا الشخص له رحمة بالموجودات كلها بالعصاة والكفار وغيرهم

قال تعالى لسيد هذا المقام وهو محمد صلى الله عليه وسلم حين دعا على رعل وذكوان وعصية بالعذاب والانتقام فقال عليك بفلان وفلان وذكر ما كان منهم قال الله له إن الله ما بعثك سبابا ولا لعانا ولكن بعثك رحمة

فنهى عن الدعاء عليهم وسبهم وما يكرهون وأنزل الله عز وجل عليه وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فعم العالم أي لترحمهم وتدعوني لهم لا عليهم فيكون عوض قوله لعنهم الله تاب الله عليهم وهداهم كما

قال حين جرحوه اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون

يريد من كذبه من غير أهل الكتاب والمقلدة من أهل الكتاب لا غيرهم فلهذا قلنا في حق هذا الشخص صاحب هذا المقام إنه رحيم بالعصاة والكفار فإذا كان حاكما هذا الشخص وأقام الحد أو كان ممن تتعين عليه شهادة في إقامة حد فشهد به أو أقامه فلا يقيمه إلا من باب الرحمة ومن الاسم الرحمن في حق المحدود والمشهود عليه لا من باب الانتقام وطلب التشفي لا يقتضيه مقام هذا الاسم فلا يعطيه حاله هذا الشخص قال تعالى في قصة إبراهيم إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ من الرَّحْمنِ

[استوائية العرش وأينية العماء]

ومن كان هذا مقامه ومعرفته وهذا الاسم الرحمن ينظر إليه فيعاين من الأسرار ذوقا ما بين نسبة الاستواء إلى العرش وما بين نسبة الأين إلى العماء هل هما على حد واحد أو يختلف ويعلم ما للحق من نعوت الجلال واللطف معا بين العماء والاستواء إذ قد كان في العماء ولا عرش فيوصف بالاستواء عليه ثم خلق العرش واستوى عليه بالاسم الرحمن وللعرش حد يتميز به من العماء الذي هو الاسم الرب وللعماء حد يتميز به عن العرش ولا بد من انتقال من صفة إلى صفة فما كان نعته تعالى بين العماء والعرش أو بأي نسبة ظهر بينهما إذ قد تميز كل واحد منهما عن صاحبه بحده وحقيقته كما يتميز العماء الذي فوقه الهواء وتحته الهواء وهو السحاب الرقيق الذي يحمله الهواء الذي تحته وفوقه عن العماء الذي ما فوقه هواء وما تحته هواء فهو عماء غير محمول فيعلم السامع أن العماء الذي جعل للرب أينية أنه عماء غير محمول ثم جاء قوله تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ الله في ظُلَلٍ من الْغَمامِ فهل هذا الغمام هو راجع إلى ذلك العماء فيكون العماء حاملا للعرش ويكون العرش مستوي الرحمن فتجمع القيامة بين العماء والعرش أو هو هذا المقام المقصود الذي فوقه هواء وتحته هواء فصاحب هذا المقام يعطي علم ذلك كله

[نزول الرب من العرش إلى سماء الدنيا]

ثم إن صاحب هذا المقام يعطي أيضا من العلوم الإلهية من هذا النوع بالاسم الرحمن نزول الرب إلى سماء الدنيا من العرش يكون هذا النزول أو من العماء فإن العماء إنما

ورد حين وقع السؤال عن الاسم الرب فقيل له أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه فقال كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء

فاسم كان المضمر هو ربنا وقال ينزل ربنا إلى السماء

فيدلك هذا على إن نزوله إلى السماء الدنيا من ذلك العماء كما كان استواءه على العرش من ذلك العماء فنسبته إلى السماء الدنيا كنسبته إلى العرش لا فرق فما فارق العرش في نزوله إلى السماء الدنيا ولا فارق العماء في نزوله إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت