فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 2585

اليقظة وهناك تعبر الرؤيا فمن نور الله عين بصيرته وعبر رؤياه هنا قبل الموت أفلح ويكون فيها مثل من رأى رؤيا ثم رأى في رؤياه إنه استيقظ فيقص ما رآه وهو في النوم على حاله على بعض الناس الذين يراهم في نومه فيقول رأيت كذا وكذا فيفسره ويعبره له ذلك الشخص بما يراه في علمه بذلك فإذا استيقظ حينئذ يظهر له أنه لم يزل في منام في حال الرؤيا وفي حال التعبير لها وهو أصح التعبير وكذلك الفطن اللبيب في هذه الدار مع كونه في منامه يرى أنه استيقظ فيعبر رؤياه في منامه لينتبه ويزدجر ويسلك الطريق الأسد فإذا استيقظ بالموت حمد رؤياه وفرح بمنامه وأثمرت له رؤياه خيرا فلهذه الحقيقة ما ذكر الله في هذه الآية اليقظة وذكر المنام وأضافه إلينا بالليل والنهار وكان ابتغاء الفضل فيه في حق من رأى في نومه أنه استيقظ في نومه فيعبر رؤياه وهي حالة الدنيا والله يلهمنا رشد أنفسنا هذا من قوله تعالى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ فهذا تفصيل آيات المنام بالليل والنهار والابتغاء من الفضل وجعله آيات لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أي يفهمون كما قال ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهُمْ لا يَسْمَعُونَ أراد الفهم عن الله وقال فيهم صُمٌّ مع كونهم يسمعون بُكْمٌ مع كونهم يتكلمون عُمْيٌ مع كونهم يبصرون فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ فنبهتك على ما أراد بالسمع والكلام والبصر هنا

[الركبان أصحاب التدبير: شمائلهم وخصائصهم]

فهذه الطبقة الركبانية الثانية مأخذهم للأشياء على هذا الحد الذي ذكرناه في هذه الآية وإنما ذكرنا هذا المأخذ لنعرفك بطريقتهم فتتبين لك منزلتهم من غيرهم فلطائفهم بالآيات المنصوبة المعتادة وغير المعتادة قائمة ناظرة إلى نفوس العالم ناظرة إلى الوجوه العرضية التي إليها يتوجهون بسبب أغراضهم ناظرة إلى الحدود الإلهية فيما إليه يتوجهون لا يغفلون عن النظر في ذلك طرفة عين فغفلتهم التي تقتضيها جبلتهم إنما متعلقها منهم عما ضمن لهم فهم متيقظون فيما طلب منهم غافلون عما ضمن لهم حتى لا يخرجون عن حكم الغفلة فإنها من جبلة الإنسان وغير هذه الطائفة صرفتها الغفلة عما يراد منها فإن كان الذي يقع إليه التوجه طاعة نظروا في دقائق تحصيلها ونظروا إلى الأمر الإلهي الذي يناسبها والاسم الإلهي الذي له السلطان عليها فيفصل لهم الأمر الإلهي الآية التي يطلبونها فإن كانت الآية معتادة مثل اختلاف الليل والنهار وتسخير السحاب وغير ذلك من الآيات المعتادة التي لا خبر لنفوس العامة بكونها حتى يفقدوها فإذا فقدوها حينئذ خرجوا للاستسقاء وعرفوا في ذلك الوقت موضع دلالتها وقدرها وإنهم كانوا في آية وهم لا يشعرون فإذا جاءتهم وأمطروا عادوا إلى غفلتهم هذا حال العامة كما قال الله فيهم معجلا في هذه الدار هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ في الْبَرِّ والْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ في الْفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ الْمَوْجُ من كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ وإِذا هُمْ يَبْغُونَ في الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يقول الله لهم يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا وهكذا يقولون في النار يا لَيْتَنا نُرَدُّ قال تعالى ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ كما عاد أصحاب الفلك إلى شركهم وبغيهم بعد إخلاصهم لله فإذا نظرت هذه الطائفة إلى هذه الآيات أرسلوها مع أمرها الإلهي إلى حيث دعاها وإن كانت الآية غير معتادة نظروا أي اسم إلهي يطلبها فإن طلبها القهار وأخواته فهي آية رهبة وزجر ووعيد أرسلوها على النفوس وإن طلبها أعني تلك الآية الاسم اللطيف وأخواته فهي آية رغبة أرسلوها على الأرواح فأشرق لها نور شعشعاني على النفوس فجنحت بذلك النفوس إلى بارئها فرزقت التوفيق والهداية وأعطيت التلذذ بالأعمال فقامت فيها بنشاط وتعرت فيها من ملابس الكسل وتبغض إليها معاشرة البطالين وصحبة الغافلين اللاهين عن ذكر الله ويكرهون الملأ والجلوة ويؤثرون الانفراد والخلوة ولهذه الطبقة الثانية حقيقة ليلة القدر وكشفها وسرها ومعناها ولهم فيها حكم إلهي اختصوا به وهي حظهم من الزمان فانظر ما أشرف إذ حباهم الله من الزمان بأشرفه فإنها خير من ألف شهر فيه زمان رمضان ويوم الجمعة ويوم عاشوراء ويوم عرفة وليلة القدر فكأنه قال فتضاعف خيرها ثلاثا وثمانين ضعفا وثلث ضعف لأنها ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر وقد تكون الأربعة الأشهر مما يكون فيها ليلة القدر فيكون التضعيف في كل ليلة قدر أربعة وثمانين ضعفا فانظر ما في هذا الزمان من الخير وبأي زمان خصت هذه الطائفة والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء الثامن عشر والحمد لله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت