فهرس الكتاب

الصفحة 2087 من 2585

فكونهم حادوا الله ورسوله هو الذي عاد عليهم فهم جنوا على أنفسهم ما جنى عليهم صاحب مكارم الأخلاق فمن تعرض لأمر فقد أحب أن يتعرض إليه فيه فما فعلت معه في عدم ودك فيه إلا ما أحب ولا تكون مكارم الأخلاق إلا أن تفعل مع الشخص ما يحبه منك فإنه قد بغضك أولا لإيمانك بالله واليوم الآخر وأتخذك عدوا فمن مكارم خلقك معه أن تتلطف به في إيمانه فإن لم ينفع فلتقابله بالقهر فإن لم يفعل ولج فقدرت على قتله فاقتله بمكارم خلق منك حتى لا يبقى في الحياة الدنيا فيزيد كفرا وطغيانا فيزيده الله عذابا كما فعل من شهد الله له بأنه رحيم وهو خضر اقتلع رأس الغلام وقال إنه طبع كافرا فلو عاش أرهق أبويه طغيانا وكفرا وانتظم الغلام في سلك الكفار فقتله الخضر رحمة به وبابويه أما الصبي حيث أخرجه من الدنيا على الفطرة فسعد الغلام والله أعلم وسعد أبواه وهذا من أعظم مكارم الأخلاق كان بعض الصالحين يسأل الله الغزاة فلا يسهل الله له أسبابها ويحول بينه وبين الجهاد في سبيل الله وكان من الأولياء الأكابر عند الله ممن له حديث مع الله فبقي حائرا في تأخره وتعذر الأسباب عليه مع ما قد حصل في نفسه من حب الجهاد لما فيه من مرضاة الله ولما للشهداء عند الله فلما علم الله أنه قد ضاق صدره لذلك أعلمه الله بالطريقة التي كان يأخذ العلم عن الله بها فقال له لا يضيق صدرك من أجل تعذر أسباب الجهاد عليك فإني قضيت عليك لو غزوت لأسرت ولو أسرت لتنصرت ومت نصرانيا وإن لم تغز بقيت سالما في بيتك ومت عبدا صالحا على الإسلام فشكر الله على ذلك وعلم إن الله تعالى قد اختار له ما هو الأسعد في حقه فسكن خاطره وعلم إن الله قد اختار له ما له فيه الخيرة عنده أيضا من آداب الله الذي ينبغي للعبد أن يتأدب بها مع الله فإذا رأيت من سلم واستسلم وقامت به آداب الحق وقام بها في نفسه وفي عباده وتأدب مع الصفة لا مع الأشخاص ويتخيل صاحب الصفة أنه تأدب معه وما عنده خبر بحال هذا الأديب فإنه ينظر العالم بعين الحق وعين الحق تنظر إليهم بما أعطاها علم الله بهم وعلم الله بهم ما هم عليه من الأحوال فإن الذوات التي تقوم بها الأحوال لا يحكم عليهم من حيث ذواتهم سعادة ولا شقاء وإنما ذلك بما يقوم بالذوات من الصفات فالصفات لا تتصف بالشقاء لذاتها ولا بالسعادة والذوات الحاملة للصفات لا تتصف أيضا لنفسها وعينها بسعادة ولا شقاء فإذا قامت الصفات بالذوات وظهرت أحكامها فيها اتصفت الذوات بحسب ما حصل من الامتزاج الذي لم يكن ولا لواحد منهما على الانفراد فقيل عند ذلك في الشخص سعيد أو شقي فانظر ما أعجب حديث السعادة والشقاء حيث لم يظهر واحد منهما إلا بحسب الامتزاج كما لم يظهر سواد المداد إلا بامتزاج العفص والزاج كما لم يظهر بياض الشقة إلا بين الشقة والقصارة فالخوف كله من التركيب والآفات كلها إنما تطرأ على الشخص من كونه مركبا والخروج عن التركيب يعقل وليس بواقع في العالم أصلا المركب ولهذا قال أبو يزيد إنه لا صفة له فإنه أقيم في معقولية بساطته فلم ير تركيبا فقال لا صفة لي فصدق ولكنه غير واقع في الوجود الحسي العيني فما ثم إلا مركب يقبل السعادة أو بالشقاء بحسب ما تقتضيه مزجته فقد فرغ ربك وما كان فراغه عن مانع شغل وإنما أراد بذلك التنزيه أي أن الأمور لا تقع إلا على ما هي عليه في نفسها ومن عصمه الله من الزلل الذي يقتضيه هذا المشهد فقد اعتنى الله به الاعتناء الأعظم ومن هنا زلت الاقدام كما جاء في الشريعة نظيره

لما ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم من سبق الكتاب على العبد بالسعادة أو بالشقاء فقالت الصحابة يا رسول الله ففيم العمل فقال لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم اعملوا فكل ميسر لما يسر له

وقد بين الحق بإرساله عليهم أسباب الخير وطرقه وأسباب الشقاء والشر وطرقه وجعل السلوك في طرق الخير بشرى فانظرها في نفسك فإن وجدت الأمر عندك إذا كنت في الخير مثلا واجدا باطنك وظاهرك فيه على السواء غير مرتاب فتلك البشرى فافرح بها في السعادة فإن الله ما يبدلك وإن رأيت الخير في ظاهرك وتجد في باطنك نكتة من شك أو اضطراب فيما أنت فيه من عبادة ويقع لك خاطر يقدح في أصلها بما يخالف ظاهر الفعل

[إن الله لم يعطك إيمانا ولا نور قلبك بنوره]

فاعلم إن الله لم يعطك إيمانا ولا نور قلبك بنوره فابك على نفسك أو أضحك فما لك في الآخرة من خلاق هذا ميزانك في نفسك وأنت أعرف بنفسك وما يخطر لك فيها ولهذا

قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم في الصحيح إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس فإنه يبدو لله منه هذا الخاطر الذي يقدح في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت