فهرس الكتاب

الصفحة 2045 من 2585

المأمور جعل للآمر أن يكون منه الأمر وحال المدعو جعل للداعي أن يكون منه الدعاء وكل واحد فحاله اقتضى أن يكون آمر أو داعيا فالدعاء والأمر نتيجة بين مقدمتين هما حال الداعي والمدعو والآمر والمأمور فزالت الوحدة وبان الاشتراك فالتوحيد الحق إنما هو لمن أعطى العلم للعالم والحكم للحاكم والقضاء للقاضي وليس إلا عين الممكن وهو الخلق في حال عدمه ووجوده كما قررناه في الباب قبل هذا والأحوال نسب عدمية وهي الموجبة لوجود الأحكام من الحكام في المحكوم به وعليه فالممكن مرجح في حال عدمه ووجوده فالترجيح أثر المرجح فيه وحال الترجيح أوجب للممكن أن يسأل وأن لا يسأل بحسب ما تقتضيه حاله لأنا ما عينا حالا من حال فبالحال يسأل فيؤثر الإجابة في المرجح والمرجح أعطى الحال في ترجيحه الذي أوجب السؤال المؤثر في المرجح الإجابة فلا يجيب المرجح إلا عن سؤال ولا سؤال إلا عن حال ولا حال إلا عن ترجيح ولا ترجيح إلا من مرجح ولا مرجح إلا من قابل للترجيح وهو الممكن والممكن أصل ظهور هذه الأحكام كلها فهو المعطي جميع الأسماء والأحكام وقبول المحكوم عليه بذلك والمسمى فما ظهر أمر إلا نتيجة عن مقدمتين فللحق التوحيد في وجود العين وله الإيجاد بالاشتراك منه ومن القابل فله من عينه وجوب الوجود لنفسه فهو واحد وله الإيجاد من حيث نفسه وقبول الممكن فليس بواحد في الإيجاد ولو صح توحيد الإيجاد لوجد المحال كما وجد الممكن وإيجاد المحال محال فإذا قلت على ما قد تقرر من وجود حق وخلق فقل بوجود مؤثر ومؤثر فيه مؤثر فيمن أثر فيه وإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ أي إلى هذا الحكم لا إلى العين

(تنبيه)

ثم لتعلم أن الله تعالى قد أمرنا بالرضا قبل القضاء مطلقا فعلمنا أنه يريد الإجمال فإنه إذا فصله حال المقضي عليه بالمقضي به انقسم إلى ما يجوز الرضاء به وإلى ما لا يجوز فلما أطلق الرضاء به علمنا أنه أراد الإجمال والقدر توقيت الحكم فكل شي ء بقضاء وقدر أي بحكم مؤقت فمن حيث التوقيت المطلق يجب الايمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره ومن حيث التعيين يجب الايمان به لا الرضاء ببعضه وإنما قلنا يجب الايمان به أنه شر كما يجب الايمان بالخير أنه خير فنقول إنه يجب على الايمان بالشر إنه شر وإنه ليس إلى الله من كونه شرا لا من كونه عين وجود إن كان الشر أمرا وجوديا فمن حيث وجوده أي وجود عينه هو إلى الله ومن كونه شرا ليس إلى الله

قال صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم في دعائه ربه والشر ليس إليك

فالمؤمن ينفي عن الحق ما نفاه عنه فإن قلت فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها قلنا ألهمها فعلمت أن الفجور فجور وأن التقوى تقوى لكي تسلك طريق التقوى وتجانب طريق الفجور فإن قلت فقوله كُلٌّ من عِنْدِ الله قلنا ليس ذلك في السيئة المحكوم بها في الشرع وذلك هو الشر وإنما هو فيما يسوءك والذي يسوءك إنما هو مخالفة غرضك وهو قولهم إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ فقال لهم الله قُلْ كُلٌّ من عِنْدِ الله ما يسوءكم وما يحسن عندكم وقد تقرر قبل هذا أن القابل له الأثر في التعيين ما هو للمعطي فهو تعالى معطي الخير والقابل يفصله إلى ما يحكم به عليه من خير وشر فخيريته إبقاؤه على الأصل فله حكم الأصل ولهذا قال والخير كله بيديك وما حكم به من الشر فمن القابل وهوقوله والشر ليس إليك

فإن قلت فهذا المخلوق على قبول الشر هو ممكن فلأي شي ء لم يخلقه على قبول الخير فالكل منه قلنا قد قدمنا وبينا أن العلم تابع للمعلوم وما وجد الممكن إلا على الحال الذي كان عليه في حال عدمه من ثبوت وتغيير كان ما كان والحق ما علم إلا ما هو المعلوم عليه في حال عدمه الذي إذا ظهر في الوجود كان بتلك الحال فما طرأ على المعلوم شي ء لم يتصف به في حال عدمه فما للعلم فيه أثر وما قلنا بالقدر إنه توقيت إلا لأنه من المقدار وما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ وكُلَّ شَيْ ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ فاعلم ذلك والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«الباب الرابع عشر وأربعمائة في معرفة منازلة ما ترى إلا بحجاب»

من رأى الحق جهارا علنا إنما أبصره خلف حجاب

وهو لا يعرفه وهو به إن هذا لهو الأمر العجاب

كل راء لا يرى غير الذي هو فيه من نعيم وعذاب

صورة الرائي تجلت عنده وهي عين الرائي بل عين الحجاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت