فهرس الكتاب

الصفحة 2027 من 2585

مقام الغيرة على جناب الله تعالى وما يستحقه أخذ يقنت في صلاته شهرا يدعو على طائفة من عباد الله بالهلاك رعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله فأنزل الله عليه وحيه بواسطة الروح الأمين يا محمد إن الله يقول لك ما أرسلك سبابا ولا لعانا وإنما بعثك رحمة أي لترحم مثل هؤلاء كأنه يقول له بدل دعائك عليهم كنت تدعوني لهم ثم تلا عليه كلام ربه وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ أي لترحمهم فإنك إذا دعوتني لهم ربما وفقتهم لطاعتي فترى سرور عينك وقرتها في طاعتهم وإذا لعنتهم ودعوت عليهم وأجبت دعاك فيهم لم يتمكن أن آخذهم إلا بأن يزيدوا طغيانا وإثما مبينا وذلك كله إنما كان بدعائك عليهم فكانت أمرتهم بالزيادة في الطغيان الذي نؤاخذهم به فتنبه رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم لما أدبه به ربه فقال صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم إن الله أدبني فحسن أدبي وقال بعد ذلك اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون وقام ليلة إلى الصباح لا يتلو فيها إلا قوله تعالى إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

وهو قول عيسى عليه السلام والله تعالى قد قال له لما ذكر رسله أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ وكان من هدى عيسى عليه السلام هذه الآية التي قام بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم ليلة كله إلى الصباح أين هذا المقام من دعائه صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم على رعل وذكوان الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا وما خص ذنبا من ذنب كما لم يخص إسرافا من إسراف كما لم يخص في إرسال محمد صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم عالما من عالم إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ بالألف واللام للشمول مع عمارة الدارين فلا بد من شمول الرحمة ولو لا إن الأمور قد عين الله لها آجالا مسماة وأياما معدودات لكان عين الانتقال بالموت إلى الله عين الرحمة بهم التي تكون لهم بعد استيفاء الحدود لتعديهم الحدود فتعديهم الحدود هو الذي أقام عليهم في الدار الآخرة الحدود كما أقامها على بعضهم في الدار الدنيا فما مات أحد من خلق الله إلا كما ولد مؤمنا وما وقع الأخذ إلا بما كان بين الإيمانين فإن رحمة الله وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ ءٍ وباطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ ولهذا

قال من ظهر لي بطنت له

لأنه ما ظهر أحد لله حتى فارقه إذ لو لم يفارقه لما ميز نفسه عنه فبطن الحق في ظهوره فهو السور الذي باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ من قِبَلِهِ الْعَذابُ والناس لا يشعرون والكلام في هذا الباب لا يتناهى فصوله وهذا القدر من التنبيه على ما فيه كاف إن شاء الله لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.

«انتهى الجزء الثالث من كتاب الفتوحات المكية

بحمد الله وعونه وحسن توفيقه

ويتلوه المجلد الرابع أوله الباب الحادي وأربعمائة»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت