فهرس الكتاب

الصفحة 1911 من 2585

فلولاك ما لاح في أفقه بدورته كوكب زاهر

ولما خلق الله تعالى العالم واقتضت ذات العالم أن يستحيل بعضه لبعضه بما ركبه الله عليه من الحقائق والاستعداد لقبول الاستحالة طلب بذاته العوارض الإمكانية التي تراها في العالم فمن العالم من له قصد في ذلك الطلب وهو تعيين عارض خاص كقائم يطلب القعود ممن يعقل ومنهم من يطلبه من غير قصد كالشجرة تطلب السقي من أجل الثمرة التي خلقت لها وطلبها لذلك ذاتي على مقدار معلوم إن زاد على ذلك كان حكمه حكم نقصانه في الهلاك وما الماء بحكمها فلا بد من حافظ يحفظ عليها القدر المعلوم وليس إلا خالقها وهذه الأمور العوارض التي تعرض لجوهر العالم منها ما يقال فيه صلاح ومنه ما يقال فيه فساد ولكن في نفس الأمر لا يصح أن يعرض للعالم فساد لا صلاح فيه فإنه يكون خلاف ما أريد له وجوده وأما صلاح لا فساد فيه فهو الواقع المراد لصانع العالم فإنه لذلك خلق العالم وأما الأحوال فذاتية للمعاني فإنها أحكامها وليس لها وجود ولا هي معدومة كالأحمر لمن قامت به الحمرة وهذا حكم لا يتصف بالخلق لأنه معقول لا عين له في الوجود العيني بل المعاني كلها التي أوجبت أحكامها لمن اتصف بها نسب عدمية لا عين لها في الوجود ولها الحكم والحال ولا عين لحكمها ولا لحالها في الوجود فصار الحاكم والمحكوم به في الحقيقة أمورا عدمية مع أنها معقولة فعلى الحقيقة لا أثر لموجود في موجود وإنما الأثر للمعدوم في الموجود وفي المعدوم لأن الأثر للنسب كله وليست النسب إلا أمورا عدمية يظهر ذلك بالبديهة في أحكام المراتب كمرتبة السلطنة ومرتبة السوقية في النوع الإنساني مثلا فيحكم السلطان في السوقة بما تريد رتبة السلطانة وليس للسلطنة وجود عيني وإذا كان الحكم للمراتب فالأعيان التي من حقيقتها أن لا تكون على صورة طبيعية جسمية في نفسها إذا ظهرت لمن ظهرت له في صورة طبيعية جسدية في عالم التمثيل كالملك يتمثل بَشَرًا سَوِيًّا وكالتجلي الإلهي في الصور فهل تقبل تلك الصورة الظاهرة في عين الرائي حكم ما لتلك الصورة في التي هي له حقيقة كصورة الإنسان والحيوان فتحكم عليه بالتفكر وقيام الآلام واللذات به فهل تلك الصورة التي ظهرت تشبه الحيوان أو الإنسان أو ما كان تقبل هذا الحكم في نفس الأمر أو الرائي إذا لم يعلم أنها إنسان أو حيوان ما له أن يحكم عليها بما يحكم علي من تلك الصورة عينه كيف الأمر في ذلك فاعلم إن الملك على صورة تخالف البشر في نفسه وعينه وكما تخالف البشر فقد خالفه أيضا البشر مثل جبريل ظهر بصورة أعرابي بكلامه وحركته المعتادة من تلك الصورة في الإنسان هي في الصورة الممثلة كما هي في الإنسان أو هي من الصورة كما هي الصورة متخيلة أيضا ويتبع تلك الصورة جميع أحكامها من القوي القائمة بها في الإنسان كما قام بها الكلام والحركة والكيفيات الظاهرة فهو في الحقيقة إنسان خيالي أعني الملك في ذلك الزمان وله حكم تلك الصورة في نفس الأمر أيضا على حد الصورة من كونها إنسانا خياليا فإذا ذهبت تلك الصورة ذهبت أحكامها لذهابها وسبب ذلك أن جوهر العالم في الأصل واحد لا يتغير عن حقيقته وأن كل صورة تظهر فيه فهي عارضة تستحيل في نفس الأمر في كل زمان فرد والحق يوجد الأمثال على الدوام لأنه الخالق على الدوام والممكنات في حال عدمها مهياة لقبول الوجود فمهما ظهرت صورة في ذلك الجوهر ظهرت بجميع أحكامها سواء كانت تلك الصورة محسوسة أو متخيلة فإن أحكامها تتبعها كما

قال الأعرابي لما سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم يصف الحق جل جلاله بالضحك قال لا نعدم خيرا من رب يضحك

إذ من شأن من يضحك أن يتوقع منه وجود الخير فكما أتبع الصورة الضحك اتبعها وجود الخير منها وهذا في الجناب الإلهي فكيف في جوهر العالم ولا يهون مثل هذا عند عالم ولا يقبله متسع الخاطر إلا من عرف أن جوهر العالم هو النفس الرحماني الذي ظهرت فيه صور العالم ومن لم يعلم ذلك فإنه يدركه في نفسه تكلف ومشقة في قبول ذلك في حق الحق وحق كل ظاهر في صورة يعلم أنها ما هي له حقيقة فيتأول ويتعذر عليه في أوقات التأويل فيؤمن ويسلم ولا يدري كيف الأمر بخلاف العالم المحقق الذي قد أطلعه الله تعالى على ما هي الأمور عليه في أنفسها فالعالم كله من حيث جوهره شريف لا تفاضل فيه وإن الدودة والعقل الأول على السواء في فضل الجوهر وما ظهرت المفاضلة إلا في الصور وهي أحكام المراتب فشريف وأشرف ووضيع وأوضع ومن علم هذا هان عليه قبول جميع ما وردت به الشرائع من الأمور في حق الله والدار الآخرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت