فهرس الكتاب

الصفحة 1870 من 2585

وهم الذين تغبطهم الرسل في ذلك لما هم فيه من الراحة لأن الرسل عليه السلام يخافون يوم الفزع الأكبر على أممهم وأتباعهم لا على أنفسهم ومنهم من يمتد أجله إلى دخول الجنة من العرض ومنهم من يمتد أجله في الآلام إلى أن يشفع فيه بالخروج من النار إلى الجنة ومنهم من يمتد أجله في الآلام إلى أن يخرجه الله بنفسه لا بشفاعة شافع وهم الموحدون بطريق النظر الذين ما آمنوا ولا كفروا ولا عملوا خير القول الشارع قط فإنهم لم يكونوا مؤمنين ولكنهم وحدوا الله جل جلاله وماتوا على ذلك ومن كان له علم بالله منهم ومات عليه جنى ثمرة علمه فإن قدحت له فيه شبهة حيرته أو صرفته عن اعتقاد ما كان يظن أنه علم وهو علم في نفس الأمر ثم بدا له ما حيره فيه أو صرفه عنه فعلم يوم القيامة أن ذلك حق في نفس الأمر وهو ممن أخرجه الله إلى الجنة من النار عاد عليه ثمرة ذلك العلم ونال درجته ومنهم من يمتد أجله في الآلام ممن ليس بخارج من النار وهو من أهلها القاطنين فيها ومدته معلومة عندنا ثم تعمه رحمة الله وهو في جهنم فيجعل الله له فيها نعيما بحيث إنه يتألم بنظره إلى الجنة كما يتألم أهل الجنة بنظرهم إلى النار فهؤلاء إن كان لهم علم بوجود الله وقد دخلهم شبهة في توحيد الله أو في علم مما يتعلق بجناب الله حيرته أو صرفته إلى نقيض ما كان يعتقده فإنه يوم القيامة إذا تبين له أن ذلك كان علما في نفس الأمر لا ينفعه ذلك التبين كما لم ينفع الايمان في الدنيا عند رؤية البأس فذلك العلم هو الذي يخلع على المؤمن الذي لم يكن له علم بإله له من الموحدين المؤمنين ويؤخذ جهل ذلك المؤمن الموحد ويلقي على هذا الذي هو من أهل النار فيتنعم في النار بذلك الجهل كما كان يتنعم به المؤمن الجاهل في الدنيا ويتنعم المؤمن بذلك العلم الذي خلع عليه الذي كان لهذا العالم بوجود الله لا بتوحيده وإنه لما وحده قدحت له شبهة في توحيده وعلمه بالله حيرته وصرفته وهذا آخر المدد لأصحاب الآلام في النار وبعد انقضاء هذا الأجل فنعيم بكل وجه أينما تولى ولا فرق بينه وبين عمار جهنم من الخزنة والحيوانات فهي تلدغه لما للحية والعقرب في ذلك اللدغ من النعيم والراحة والملدوغ يجد لذلك اللدغ لذة واسترقادا في الأعضاء وخدرا في الجوارح يلتذ بذلك التذاذا هكذا دائما أبدا فإن الرحمة سبقت الغضب فما دام الحق منعوتا بالغضب فالآلام باقية على أهل جهنم الذين هم أهلها فإذا زال الغضب الإلهي كما قدمنا وامتلأ به النار ارتفعت الآلام وانتشر ذلك الغضب فيما في النار من الحيوانات المضرة فهي تقصد راحتها بما يكون منها في حق أهل النار ويجد أهل النار من اللذة ما تجده تلك الحية من الانتقام لله لأجل ذلك الغضب الإلهي الذي في النار وكذلك النار ولا تعلم النار ولا من فيها إن أهلها يجدون لذة لذلك لأنهم لا يعلمون متى أعقبتهم الراحة وحكمت فيهم الرحمة وهذا الصراط الذي تكلمنا فيه هو الذي يقول فيه أهل الله إن الطرق إلى الله على عدد أنفاس الخلائق وكل نفس إنما يخرج من القلب بما هو عليه القلب من الاعتقاد في الله فالاعتقاد العام وجوده فمن جعله الدهر فوصوله إلى الله من اسمه الدهر فإن الله هو الجامع للأسماء المتقابلة وغير المتقابلة وقد قدمنا إنه سبحانه تسمى بكل اسم يفتقر إليه في قوله عز وجل في الكتاب العزيز يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله والله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ وإن أنكر ذلك فما أنكره الله ولا الحال وكذلك من اعتقد أنه الطبيعة فإنه يتجلى له في الطبيعة ومن اعتقد أنه كذا كان ما كان فإنه يتجلى له في صورة اعتقاده وتجري الأحكام كما ذكرنا من غير مزيد فافهم

[صراط العزة]

وأما صراط العزة وهو قوله تعالى إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فاعلم أن هذا صراط التنزيه فلا يناله ذوقا إلا من نزه نفسه أن يكون ربا أو سيدا من وجه ما أو من كل وجه وهذا عزيز فإن الإنسان يغفل ويسهو وينسى ويقول أنا ويرى لنفسه مرتبة سيادة في وقت غفلته على غيره من العباد فإذ ولا بد من هذا فليجتهد أن يكون عند الموت عبدا محضا ليس فيه شي ء من السيادة على أحد من المخلوقين ويرى نفسه فقيرة إلى كل شي ء من العالم من حيث إنه عين الحق من خلف حجاب الاسم الذي قال الله فيه لمن لا علم له بالأمر قُلْ سَمُّوهُمْ ولما كان الإنسان فقيرا بالذات احتجب الله له بالأسباب وجعل نظر هذا العبد إليها وهو من ورائها فأثبتها عينا ونفاها حكما مثل قوله تعالى لمحمد صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ الله رَمى ثم أعقب هذه الآية بقوله ولِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا فجعل ذلك بلاء أي اختبارا وهذا الصراط العزيز الذي ليس لمخلوق قدم في العلم به فإنه صراط الله الذي عليه ينزل إلى خلقنا وعليه يكون معنا أينما كنا وعليه نزل من العرش إلى السماء الدنيا وإلى الأرض وهو قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت