فهرس الكتاب

الصفحة 1540 من 2585

يطلبوا علمه ما اختلف فيه اثنان منهم فلو طلب منهم غير ذلك مما اختلفوا فيه ما اختلفوا أيضا فيه فدل ذلك على أنه ما طلب الحق منهم ذلك فإن قلت فما هو الذي اتفقوا فيه قلنا اجتمعت الأدلة العقلية من كل طائفة بل من ضرورات العقول أن لهم موجدا أوجدهم يستندون إليه في وجودهم وهو غني عنهم ما اختلف في ذلك اثنان وهو الذي طلب الحق من عباده إثبات وجوده فلو وقفوا هنا حتى يكون الحق هو الذي يعرفهم على لسان رسوله بما ينبغي أن يضاف إليه ويسمى به أفلحوا وإنما الإنسان خلق عجولا ورأى في نفسه قوة فكرية فتصرف بها في غير محلها فتكلم في الله بحسب ما أعطاه نظره والأمزجة مختلفة والقوة المفكرة متولدة من المزاج فيختلف نظرها باختلاف مزاجها فيختلف إدراكها وحكمها فيما أدركته فالله يرشدنا ويجعلنا ممن جعل الحق إمامه والتزم ما شرع له ومشى عليه أنه الملي ء بذلك لا رب غيره

[أن الله ما بعث الرسل سدى]

فاعلم يا ولي أن الله ما بعث الرسل سدى ولو استقلت العقول بأمور سعادتها ما احتاجت إلى الرسل وكان وجود الرسل عبثا ولكن لما كان من استندنا إليه لا يشبهنا ولا نشبهه ولو أشبهنا عينا ما كان استنادنا إليه بأولى من استناده إلينا فعلمنا قطعا علما لا يدخله شبهة في هذا المقام أنه ليس مثلنا ولا تجمعنا حقيقة واحدة فبالضرورة يجهل الإنسان ما له وإلى أين ينتقل وما سبب سعادته إن سعد أو شقاوته إن شقي عند هذا الذي استند إليه لأنه يجهل علم الله فيه لا يعرف ما يريد به ولا لما ذا خلقه تعالى فافتقر بالضرورة إلى التعريف الإلهي بذلك فلو شاء تعالى عرف كل شخص بأسباب سعادته وأبان له عن الطريق التي ينبغي له أن يسلك عليها ولكن ما شاء إلا أن يبعث في كل أمة رسولا من جنسها لا من غيرها قدمه عليها وأمرها باتباعه والدخول في طاعته ابتلاء منه لها لإقامة الحجة عليها لما سبق في علمه فيها ثم أيده بالبينة والآية على صدقه في رسالته التي جاء بها ليقوم له الحجة عليها وإنما قلنا من جنسها لأنه كذا وقع الأمر قال تعالى ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا أي لو كان الرسول للبشر ملكا لنزل في صورة رجل حتى لا يعرفوا أنه ملك فإن الحسد على المرتبة إنما يقع بين الجنس وقال تعالى لَوْ كانَ في الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ من السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا ولنا في ذلك

خليفة القوم من أبناء جنسهم لأن ذلك أنكى في نفوسهم

لو لم يكن منهم لصدقوه ولم يقم بهم حسد لغير جنسهم

قد علم الإنسان أن البهائم وجميع الحيوانات دونه في المرتبة فلو تكلم حيوان ولو كان خنفساء ونطقت وقالت أنا رسول من الله إليكم احذروا من كذا وافعلوا كذا لتوفرت الدواعي من العامة على اتباعها والتبرك بها وتعظيمها وانقادت لها الملوك ولم يطلبوها بآية على صدقها وجعلوا نطقها نفس الآية على صدقها وإن كان الأمر ليس كذلك وإنما لما نال المرتبة غير الجنس لم يقم بهم حسد لغير الجنس فأول ابتلاء ابتلى الله به خلقه بعث الرسل إليهم منهم لا من غيرهم ومع الدلالات التي نصبها لهم على صدقهم واستيقنوها حملهم سلطان الحسد الغالب عليهم إن يجحدوا ما هم به عالمون موقنون ظلما وعلوا قال تعالى وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا أي ظلموا بذلك أنفسهم وعُلُوًّا على من أرسل إليهم فاندرج في ذلك علوهم على الله ولو قلت له يا فلان كيف تتكبر على من خلقك لاستعاذ من ذلك وقال إن هذا الذي يزعم أنه من عند الله يكذب على الله حاشا الله أن يبعث مثل هذا إلينا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ من الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ فإن قيل له فقد جاء بالعلامة على أنه رسول من الله إليكم فيقول أ لست تعلم أن السحر حق هذه الآية من ذلك القبيل هذا مع العامة وأما مع العلماء والخواص مثل الحكماء وغيرهم فإذا قيل لهم أ لستم ترون هذه الآيات الدالة على صدق ما يدعيه فأما العالمون بالنفوس وقواها فيجيبون عن ذلك بأن يقولوا قد علمنا إن القوي النفسانية تبلغ أن يتأثر لها أجرام العالم فهذا من ذلك القبيل ويحتج بصاحب العين وبعلم الزجر وأمثال ذلك مما يشبه هذا الفن وأما إن كان عنده علم بمجاري الكواكب ويرى قواها وسيران ذلك في العالم العنصري على مقادير مخصوصة يقول إن الطالع أعطاه ذلك وإن روحانية الكواكب تمده وإنه بهذا الطالع في مسقط النطفة شرفت عنه وأعطته هذه القوي نفسا شريفة ونال بها المراتب العلية في الإلهيات والذي قال به صحيح فإن الله أودع هذا كله في العالم العلوي حين خلقه ابتلاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت