فهرس الكتاب

الصفحة 1505 من 2585

العدم المطلق في مرآة الحق نفسه فكانت صورته التي رأى في هذه المرآة هو عين العدم الذي اتصف به هذا الممكن وهو موصوف بأنه لا يتناهى كما إن العدم المطلق لا يتناهى فاتصف الممكن بأنه معدوم فهو كالصورة الظاهرة بين الرائي والمرآة لا هي عين الرائي ولا غيره فالممكن ما هو من حيث ثبوته عين الحق ولا غيره ولا هو من حيث عدمه عين المحال ولا غيره فكأنه أمر إضافي ولهذا نزعت طائفة إلى نفي الممكن وقالت ما ثم إلا واجب أو محال ولم يتعقل لها الإمكان فالممكنات على ما قررناه أعيان ثابتة من تجلى الحق معدومة من تجلى العدم ومن هذه الحضرة علم الحق نفسه فعلم العالم وعلمه له بنفسه أزلا فإن التجلي أزلا وتعلق علمه بالعالم أزلا على ما يكون العالم عليه أبدا مما ليس حاله الوجود لا يزيد الحق به علما ولا يستفيد ولا رؤية تعالى الله عن الزيادة في نفسه والاستفادة فإن قلت فإن أحوال الممكنات مختلفة وإذا كان الممكن في حالة له مقابل لم يكن في الأخرى وبظهور إحداهما تنعدم الأخرى فمن أين كان العلم له بهذه المرتبة قلنا له إن كنت مؤمنا فالجواب هين وهو أنه علم ذلك من نفسه أيضا واكتسى الممكن هذا الوصف من خالقه وقد ثبت لك النسخ الإلهي في كلام الحق بما شرع وقد ثبت عندك تجلى الحق في الدار الآخرة في صور مختلفة فأين الصورة التي تحول إليها من الصورة التي تحول عنها فهذا أصل تقلب الممكنات من حال إلى حال يتنوع لتنوع الصور الإلهية فإن

قلت فهذا التنوع ما متعلقة هل متعلقة الإرادة قلنا لا فإنه ليس للإرادة اختيار ولا نطق بها كتاب ولا سنة ولا دل عليها عقل وإنما ذلك للمشيئة فإن شاء كان وإن شاء لم يكن

قال عليه السلام ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن

فعلق النفي والإثبات بالمشيئة وما ورد ما لم يرد لم يكن بل ورد لو أردنا أن يكون كذا لكان كذا فخرج من المفهوم الاختيار فالإرادة تعلق المشيئة بالمراد وهو قوله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ ءٍ إِذا أَرَدْناهُ هذا تعلق المشيئة وقد ذهب بعض الناس من أهل الطريق أن المشيئة هي عرش الذات وهو أبو طالب أي ملكها أي بالمشيئة ظهر كون الذات ملكا لتعلق الاختيار بها فالاختيار للذات من كونها إلها فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل وهو التردد الإلهي

في الخبر الصحيح ما ترددت في شي ء أنا فاعله ترددي في قبض نسمة المؤمن يكره الموت

والعلم للذات من كونه ذاتا ولهذا تظهر رائحة الجبر مع العلم ويظهر الاختيار مع المشيئة فما حكم وسبق به العلم لا يتبدل عقلا ولا شرعا ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ولرائحة الجبر فيه أعقبه وما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ لئلا يتوهم متوهم ذلك إذ كان الحكم للعلم فيه فلم أخذ بما هو عليه مجبور غير مختار ومن علم ما ذكرناه من تجلى الحق في مرآة العدم لظهور صور أعيان الممكنات على صورة الوجوب هان عليه هذا كله وعرف أصله واستراح راحة الأبد وعلم إن الممكن ما خرج عن حضرة إمكانه لا في حال وجوده ولا في حال عدمه والتجلي له مستصحب والأحوال عليه تتحول وتطرأ فهو بين حال عدمي وحال وجودي والعين هي تلك العين وهذا من العلم المكنون الذي قيل فيه إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العالمون بالله فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرة بالله ولهذا كان الجن والأرواح لو بعث إليهم أحسن ردا على النبي صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم حين كان يقرأ عليهم القرآن من الإنس وكذا قال لأصحابه وذلك لأنهم إلى هذه الحضرة أقرب نسبة وإلى عالم الغيب فإن لهم التحول في الصور ظاهرا وباطنا فكان استماعهم لكلام الله أوثق وأحسن للمشاركة في سرعة التنوع والتقلب من حال إلى حال وهو من صفات الكلام فهم بالصفة إليه أقرب مناسبة وأعلم بكلام الله منا

أ لا تراهم لما منعوا السمع وحيل بينهم وبين السماء بالرجوم قالوا ما هذا إلا لأمر حدث فأمر زوبعة أصحابه وغيره أن يجولوا مشارق الأرض ومغاربها لينظروا ما هذا الأمر الذي حدث وأحدث منعهم من الوصول إلى السماء فلما وصل أصحاب زوبعة إلى تهامة مروا بنخلة فوجدوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم يصلي صلاة الفجر وهو يقرأ فلما سمعوا القرآن أصغوا إليه وقالوا هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء

فلو لا معرفتهم برتبة القرآن وعظم قدره ما تفطنوا لذلك ف وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ف قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ من بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ الله وآمِنُوا به يَغْفِرْ لَكُمْ من ذُنُوبِكُمْ ويُجِرْكُمْ من عَذابٍ أَلِيمٍ وقالوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا به ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا وأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا وَلَدًا وكذلك

لما قرأ عليهم سورة الرحمن ليلة الجن ما مر بآية يقول فيها فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلا قالوا ولا بشي ء من آلائك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت