قال إبراهيم: عليه السلام: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [سورة الشعراء: 75 - 77] ؟ قد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون. فليس أحد يشرك به إلا وهو مؤمن به. ألا ترى كيف كانت العرب تلبِّي تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك؟ المشركون كانوا يقولون هذا". (تفسير الطبري: 16/ 286) ."
ومع هذا ففي إيمانهم بالربوبية خلل؛ وإلا لقادهم إلى إفراد الله بالعبادة كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة/21، 22] . فتوحيد الربوبية ينبغي أن يفضي إلى إفراد الله تعالى بالعبادة.
التوحيد الثاني: توحيد الألوهية، وهو إفراد الله بالعبادة. ولهذا يسمى توحيد العبادة بهذا الاعتبار، وباعتبار إضافته لله يسمى بتوحيد الألوهية.
وأما التوحيد الثالث فهو توحيد الأسماء والصفات، وهو إفراد الله تعالى بما له من الأسماء والصفات التي أثبتها لنفسه وأثبتها له نبيه صلى الله عليه وسلم، من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، ولا تفويض.
وهنا سؤال قد ينقدح في أذهان بعضنا: ما هو الدليل على أن التوحيد منقسم إلى هذه الأقسام؟
الجواب: الدليل استقراء نصوص الشريعة. فإن من تتبع القرآن الكريم يجد آيات تتحدث عن إفراد الله بالعبادة، وآيات تتحدث عن أن الله خالق رازق متصرف في الكون، وآيات تتضمن أسماء الله وصفاته، فدليل هذا التقسيم استقراء آيات القرآن الكريم. وقد جمعت سورة الفاتحة هذه الأقسام الثلاثة، وجمعتها آية مريم: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم/65] .
قال العلامة القرآني الشنقيطي رحمه الله:"وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيده في ربوبيته، ... توحيده جل وعلا في عبادته، ... وتوحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته" (أضواء البيان: 3/ 410 - 411) .
وقال العلامة بكر عبد الله أبو زيد رحمه الله:"هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن منده، وابن جرير الطبري وغيرهما، وقرره شيخا الإسلام: ابن تيمية وابن القيم، وقرره الزبيدي في تاج العروس، وشيخنا الشنقيطي في أضواء البيان، في آخرين، -رحم الله الجميع- وهو استقراء تام لنصوص الشرع، وهو مطرد لدى أهل كل فن، كما في استقراء النحاة لكلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تَفُه بهذا ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب، وهكذا من أنواع الاستقراء" (التحذيرات من مختصر الصابوني في التفسير، ص: 30)
وقد قال أبو حنيفة رحمه الله:"والله يدعى من أعلى لا من أسفل؛ لأن الأسفل ليس له من الربوبية والأولهية من شيء" (الفقه الأبسط، ص 51) .
وقال الطبري رحمه الله في تأويل الآية: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة/21] :"معنى ذلك: اعبدُوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم، لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالربوبية والعبادة" (تفسير الطبري: 1/ 364) .