فمن الخطأ العظيم أن تفسر هذه الكلمة بـ: لا خالق إلا الله، لا رازق إلا الله، ما لهذا خالف المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما في هذا كانت الخصومة، فقد كانوا بربوبية الله مقرين كما سبق، وإنما الخصومة في هذه الكلمة {وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص/4، 5] .
فإذا علمنا معنى هذه الكلمة فجدير بنا أن نعلم أن لها ركنين:
النفي والإثبات. فلا إله: نفي للألوهية عن كل أحد، وإلا الله: إثبات استحقاقه بها.
قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِالله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة/256] . العروة الوثقى: لا إله إلا الله، وإنما يتحقق تمسكك بها إذا كان الكفر منك بالطاغوت، وهو كل ما عبد من دون الله، وآمنت بالله وأنه لا إله إلا هو.
وأما مكانة هذه الكلمة:
فمن أجلها خلق الله الخليقة، وهي كلمة قامت بها السماوات والأرض، وأُرسلت بها الرسل، ونزلت بها الكتب، فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وهي الفارقة بين الكفر والإيمان.
وأما إعرابها:
فلا: نافية للجنس. وإله: اسمها مبني معها على الفتح. وخبرها محذوف تقديره (حق) . وإلا الله: استثناء من الخبر المرفوع
وأما مقتضاها
فإفراد الله بالعبادة، فإذا قالها العبد فقد أعلن أن العبادة كلها لله، وأنه لا يصرف منها شيئًا لغير الله. والناس ثلاثة أقسام:
فمن قال هذه الكلمة عالما بمعناها، عاملا بمقتضاها ظاهرا وباطنا فهو المسلم الحق.
ومن قالها وعمل بمقتضاها ظاهرا دون الباطن فهو المنافق.
ومن ردها أو قالها ولم يعمل بمقتضاها فعبد الله وعبد مع الله غيره فهو المشرك وإن رددها في اليوم والليلة ألف مرة!
وأما آثار قول لا إله إلا الله [1]
1/ اجتماع الكلمة.
وهل جمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلا بها؟ قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران/103] .
(1) / انظر: محاضرات في العقيدة والدعوة، للعلامة/ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان حفظه الله (1/ 74) .