والصحابة قاتلوا بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون ويؤذنون. فإن قال: إنهم يقولون: إن مسيلمة نبي؟ قلنا: هذا هو المطلوب، فإذا كان من رفع رجلًا إلى رتبة النبي صلى الله عليه وسلم كفر، وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة؛ فكيف بمن رفع وليًا، أو صحابيًا، أو نبيًا إلى مرتبة جبار السماوات والأرض؟ تعالى الله أن يكون له شبيه أو ند.
7/ ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى عليهم الصلاة والسلام، فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا.
والجواب من وجهين:
الأول: أنهم استشفعوا بالمخلوق لإزالة الضر، وفرق بين هذا وبين الاستغاثة بالمخلوق.
ثانيًا: الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا تُنكر، كما قال تعالى في قصة موسى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص:15] ، وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيرها من الأشياء التي يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله.
ولعلَّ مما ينقدح في نفس كل موحِّدٍ ويجدُه في رُوْعِه وهو يقف مع هذه الشبهات التي هي أوهى من بيت العنكبوت شعوره بسفه هؤلاء، ولا غروَ من ذلك؛ فإن الشرك بالله جريمة لا يتلوث بأوحالها ولا يباشر مستنقعها إلا من سفه نفسه، قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة/130] ، وملة إبراهيم عليه السلام التوحيد، فمن خالفه فقد سفه نفسه، أي: فعل بها من السفه ما صار به سفيهًا. وإلا فما معنى أن يترك الله ويلجأ إلى غيره؟ ويعجبني مثلٌ كثيرا ما أذكره: أرأيتم لو كان لوالد ابنان: الأول: سليم معافى، والثاني: مقعد أصم، فاحتاج لأمر فعهد به إلى المقعد الذي لا يسمع وترك ابنه الصحيح؟ هل يُشكُّ في سفهِ مَنْ لم يَنْسب هذا الوالدَ إلى السفه؟ هذا حال من يترك الله ويدعو غيره.