الثاني: رضاه عن الشافع والمشفوع له. قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه/109] . وقال: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء/26 - 28] .
ومعلومٌ أن الله لا يَرْضى الكفرَ، قال تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر/7] . فالمشرك لا يَشفع، ولا يُشفع له، قال تعالى عن المشركين: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر/48] . وإذا لم يكونوا أهلًا للدخول في دائرتها فكونهم لا يشفعون لغيرهم أولى كما لا يخفى.
إنَّ الله أعطى نبيه صلى الله عليه وسلم الشفاعة ولكن نهانا عن دعائه. وقد أُعطي غيرُه كالمؤمنين والأفراط شفاعاتٍ فهل يعني ذلك أن نسأَلهم إياها؟!! الجواب: لا، وإنما تطلب من الله.
4/ فإن قالوا: إن المشركين لم يكفروا بدعاء الملائكة والأولياء، وإنما لادعائهم أن الملائكة بنات الله؟
فالجواب: نسبة الولد إلى الله كفر مستقل، فعبادتهم لغير الله كفر، ونسبة الولد إليه كفر. والجاهليون الذين كانوا يعبدون اللات مشركون، مع أنهم لم يقولوا: إنه ولد الله.
5/ فإن قيل: هل تنكرون وجود الأولياء؟
فالجواب: من يستطيع أن ينكر ما أثبته القرآن الكريم؟! قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ الله لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس/62، 63] . ووجودهم لا يعني صرفَ العبادة لهم. بعض الناس أنكر كرامات الأولياء، وبعضهم عبدوهم مع الله، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين. فالأولياء موجودون، ونحن لكراماتهم مثبتون، ولكنهم لا يعبدون.
6/ فإن قال من يصرف الدعاء لغير الله: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم، وينكرون البعث، ويكذبون القرآن، ويجعلونه سحرًا، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي ونصوم؛ فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟
فالجواب: أنه لا خلاف بين العلماء كلِّهم في أن الرجل إذا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء وكذبه في شيء فهو كافر لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه؛ كمن أقر بالتوحيد، وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد والصلاة، وجحد وجوب الزكاة، أو أقر بهذا كله وجحد الصوم، أو أقر بهذا كله وجحد الحج، ومن أقر بهذا كله وجحد البعث فإنه كفر بالإجماع، وحل دمه وماله، كما قال جل جلاله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء:150 - 151] . والتوحيد أعظم فريضة فكيف لا يكون جاحده كافرًا.