الصفحة 21 من 65

وقال: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ الله مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُون* وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف/5 - 6] .

فإذا استبان عجزهم كان دعاؤهم سفهًا. ولذا دلّ القرآن على أن الشرك جريمة لا يقع فيها إلا السفهاء. قال تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة/130] . وملته التوحيد. فمن رغب عنها فهو سفيه.

5/ بيان أنّ الكفار والمشركين كانوا يلجئون إلى الله إذا ادلهمت الخطوب، ووقعوا في الكروب:

وهذا مسلك قرآني يخاطب عقولهم. إذ لو كانت آلهتهم كما يقولون لما تركوها حال كربهم ولجئوا إلى الله تعالى. فالذي يُلجأ إليه في الكرب قادر عليه وعلى ما دونه. قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت/65] .

وقال: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} [الأعراف/133 - 134] . أي: بما أوحى به إليك مِن رَفْع العذاب بالتوبة. فأين فرعون الذي عبدتموه من دون الله؟

في جامع الترمذي عن عِمران بن حُصَين - رضي الله عنه - قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي: «يا حصين كم تعبد اليوم إلها» ؟ قال أبي: سبعةً؛ ستةً في الأرض وواحدا في السماء. قال: «فأيُّهم تَعُدُّ لرَغْبَتِك ورَهْبَتِك» ؟ قال: الذي في السماء. قال: «يا حصين أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانِك» . قال: فلما أسلم حصينٌ قال: يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتَّني. فقال: «قل: اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي» .

قال الطيبي رحمه الله في قوله: «فأيُّهم تَعُدُّ لرَغْبَتِك ورَهْبَتِك» :"الفاء جزاء شرط محذوف، أي: إذا كان كذلك فأيهم تخصه وتلتجئ إليه إذا نابتك نائبة؟" (تحفة الأحوذي: 9/ 320) .

فهل تعلمون ما سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل - رضي الله عنه -؟ في سنن النسائي أنّ عكرمة لما أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه ركب البحر فارًا، فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا؛ فإن آلهتكم لا تُغني عنكم شيئا هاهنا. فقال عكرمة: والله لئن لم يُنَجِّني من البحر إلا الإخلاص لا يُنَجِّيْنِي في البرِّ غيرُه، اللهم إنَّ لك علي عهدا إنْ أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا كريما. فجاء فأسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند حسن ظنه.

ومع ذلك فإنَّ بعضَ المشركين لا يعرفون الله لا في حال الرخاء ولا في حال الشدة. فهؤلاء في ظلمات مركبة، ولهذا ذم الله هؤلاء بهذا زيادةً على شركهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام/42 - 43] . وقال: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون/76] . ألا بؤسًا لمن يعرض عن ربه حال عنائه وكربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت