الصفحة 13 من 65

كان الناس بعد آدم عليه السلام على الدين الصحيح إلى أن حدث الشرك في قوم نوح بسبب غلوهم في الصالحين لما ماتوا، فصوروا صورهم بإيحاء من الشيطان ونصبوها على مجالسهم؛ ليتذكروا بها أحوالهم فينشطوا على العبادة بزعمهم، فلما هلك هذا الجيل الذي نصب تلك الصور وأعقبهم جيل آخر، فجاءهم إبليس وقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقون المطر؛ فعبدوهم (تفسير الطبري: 23/ 639) .

فبعث الله نبيه نوحًا عليه الصلاة والسلام يدعو قومه إلى التوحيد وينهاهم عن هذا الشرك الذي وقعوا فيه، فأصروا على شركهم: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} . وهذه أسماء الصالحين الذين غلوا فيهم وصوروا صورهم وأبوا أن يتركوا عبادتهم، وأفنى نوح عليه السلام معهم عمرًا طويلًا كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت/14] . وأيس منهم بعد أن أوحى الله إليه أنه لن يؤمن إلا من قد آمن {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [هود/36] . عند ذلك دعا عليهم فأهلكهم الله بالطوفان وأنجى نوحًا عليه السلام ومن آمن معه في الفلك، ثم تتابعت الرسل من بعد نوح تدعوا إلى التوحيد وتنهى عن الشرك، إلى أن جاء عهد إبراهيم خليل الله، وقد بلغ الشرك والطغيان والجبروت من الطواغيت مبلغًا عظيمًا، فقاوم الشرك والمشركين بالحجة والبرهان، وحطم بيده الأصنام، ولقي في سبيل ذلك أشد أنواع الأذى وأقسى أنواع التعذيب الذي سلمه الله منه حين ألقوه في النار، فجعلها الله بقدرته ورحمته بردًا وسلامًا، وجعل العاقبة الحميدة له، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، وبقيت النبوة وكلمة التوحيد في ذريته كما قال تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزخرف: 28] ، أي: وجعل إبراهيم عليه السلام كلمة التوحيد باقية في مَن بعده؛ لعلهم يرجعون إلى طاعة ربهم وتوحيده، ويتوبون من كفرهم وذنوبهم. فكانت فيهم خصوصًا في العرب من بني إسماعيل، فإن التوحيد لم يزل فيهم وهم على ملة إبراهيم وإسماعيل إلى أن ظهر فيهم عمرو بن لحي الخزاعي، فغير فيهم دين إبراهيم عليه السلام، ودعاهم إلى عبادة الأصنام فأجابوه، والسبب في ذلك: أنه ذهب إلى الشام فوجد أهلها يعبدون الأصنام، فقلدهم في ذلك، وجلب معه الأصنام إلى العرب. ومن ثم انتشر الشرك في العرب، وكان لهم أصنام مشهورة: كاللات، والعزى، ومناة. وكان لقريش أصنام حول الكعبة وفي جوفها، ومن أعظم أصنامهم هبل الذي كانوا يعتزون ويقسمون به، إلى أن بعث الله نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، فدعا إلى التوحيد ونهى عن الشرك، وجاهد المشركين باليد واللسان حتى نصره الله عليهم، وهدم أوثانهم وحطم أصنامهم، وأعاد الحنيفية ملة إبراهيم صافية نقية، وترك أمته على البيضاء ليلها كنهارها، وأكمل الله به الدين وأتم به النعمة، وواصل صحابته الكرام وخلفاؤه العظام مسيرة الدعوة إلى توحيد الله في مشارق الأرض ومغاربها، وفتحوا البلاد شرقًا وغربًا، ونشروا فيها التوحيد، وقضوا على مظاهر الشرك والوثنية، حتى تحقق قول الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة/33، والصف/9] . (من محاضرة للشيخ الفوزان حفظه الله عن تاريخ الشرك) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت