ونظرًا لما للعمل من دور في تحقيق التّنمية، فلقد قرّرت الشريعة الإسلاميّة أنَّ قيمة الإنسان لا تقاس إلا بالعمل [1] ، وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى، وأنَّ قيمة كل امرئٍ في المجتمع بما يقدمه لربه وللناس من عمل صالح.
حيثما وجد الأمن وجدت التّنمية، وحيثما فقد الأمن تأخّرت عملية التّنمية، ولذلك فإنّ هناك علاقة وطيدة بين الأمن والتّنمية. ولتوضيح ما تقدم يعطي الباحث مثالًا عن المستثمر الراغب باسثمار رأس ماله، فإنّه يبحث عن البلاد التي يسودها الأمن، ويفرّ من تلك التي يفتقد منها الأمن. ولبنان خير شاهد على ذلك، فإنّه خلال الحرب الاهلية (1975 ـ 1990) فُقِدَ الأمن منه، الأمر الذي ألجأ الكثير من المستثمرين فيه إلى تركه، والبحث عن أمكنةٍ أخرى للاستثمار فيها، وكان من نتيجة ذلك أن تأخّرت عملية التّنمية فيه.
وإنَّ البيئة التي يسودها الأمن تشهد رواجًا وانتعاشًا في جميع المجالات؛ بما فيها المجال الاقتصاديّ؛ لأنّ الأمن نعمة، ولذلك فإنّ الله سبحانه وتعالى امتنّ على قبيلة قريش [2] بأنّه أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف؛ حيث كانوا يألفون رحلة التجارة إلى بلاد الشام صيفًا، وإلى اليمن شتاءً، لأنهم كانوا يسافرون للتجارة، ويأتون بالأطعمة والثياب، ويربحون في الذهاب والإياب، وهم آمنون مطمئنّون، لا يتعرض لهم أحد بسوء، فامتن الله عليهم، وذكّرهم بنعم الله؛ ليوحّدوه ويشكروه. قال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ - الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [3] ، ولا شك أنّ قبيلة قريش بتجارتها هذه، وبسبب الأمن الذي وفرّ لها ساهمت في تنمية مكة المكرمة.
(1) د. البدوي، إسماعيل إبراهيم، عناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلاميّ والاقتصاد الوضعي، مجلة النشر العلمي، جامعة الكويت، الكويت، 1423 هـ / 2002 م، ص 156.
(2) الصابوني، محمد علي، صفوة التفاسير، جـ 3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 2، 1421 هـ / 2000 م، ص 442.
(3) سورة قريش، الآيتان 3، 4.