ولأن الله - عز وجل - هو الذي خلقنا، ويعلم ما توسوس به إلينا أنفسنا، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، فعلِم ما يدور بنفوس الأصحاب من تساؤلات، حتى وإن منعهم حياؤهم من التصريح بها على ألسِنتهم.
فكانت الإجابة الإلهية الحاسمة على كل هذه التساؤلات هي قوله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165] .
- {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ} ؛ أي: لما انهزَمتم، وقتل منكم سبعون رجلًا.
- {قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} ؛ أي: وأنتم قد انتصرتم في بدر، وأصبتم أربعين ومائة رجل من المشركين؛ حيث قتلتم سبعين، وأسرتم سبعين آخرين، وهذا ضِعف العدد الذي أصيب منكم في أحد.
- {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} ؛ أي: لما وقعت هذه المصيبة، تساءلتم عن سبب الهزيمة وسر النكسة.
-فالإجابة على هذا السؤال هي قوله تعالى:
- {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} : سبب ذلك هو مخالفتكم لأمر الله - عز وجل - وعصيانكم لوصية نبيه - صلى الله عليه وسلم - بثبوتكم على الجبل في جميع الأحوال، ومهما كانت النتائج.
-إذ إن نصر الله - عز وجل - لا يمكن أن يتحقق لقوم خالفوا وصية نبيهم - صلى الله عليه وسلم - أبدًا، أبدًا، أبدًا.
- {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ؛ أي: إن الذي نصركم في بدر وأنتم أذلة، لم يكن ليُعجزه أن ينصركم في أُحد كذلك.
ولكنكم في أحد لم تكونوا أهلًا لهذا النصر الإلهي الذي منَّ عليكم به في بدر بفضله ومنِّه وكرمه، ولا جديرين بهذا التأييد الرباني، ولم تكونوا قَمينين بأن يمدَّكم بالملائكة الذين أمدَّكم بهم يوم بدر المجيد.
إن هذه الإجابة ليست خاصة بالصحابة - رضي الله عنهم - والذين هم خير هذه الأمة بشهادة المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: (( خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ) )؛ (خ، م) .
بل هي لنا من باب أولى، ولسائل أن يسأل: لماذا لم يتجاوز المولى - عز وجل - لهؤلاء الفضلاء الأجِلاء عن هذه الهفوة اليسيرة التي ما ارتكبوها إلا متأوِّلين غير متعمدين؟!