الحمد لله الذي خلَق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقدارًا، وضرب لهم آجالًا، وسن لهم سننًا، فلم ولن تجد لسنته تبديلًا، ولا تحويلًا، وصل اللهم وسلم وبارك على من لم تقبض روحه إلا بعد أن بيَّن لنا كل سبيل إلى الجنة، ودعانا إليه، وبين لنا كل سبيل إلى النار، وحذرنا منه، وتركنا على البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك، - صلى الله عليه وسلم -، وعلى أصحابه الطيبين الغُر الميامين، الذين حفظ الله بهم بيضة هذا الدين، وأزواجه الطيبات النقيات اللائي اخترنَ الله ورسوله والدار الآخرة على الفانية الزائلة.
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
أمَّا بعدُ:
لقد أصبح المسلمون وأكثر من أي فترة مضت، أحوج ما يحتاجون إلى نوع خاص من المصارحة والمصادقة؛ إذ لم يعد الوقت يحتمل أدنى قدر من المحاباة أو المجاملات.
ومن أسفه السفه أن نضيع الأعمار والأوقات في سرد محَن المسلمين المتتابعة، ومصائبهم المتتالية، ونكباتهم المتواترة، فما من يوم تشرق شمسه إلا على حوادث جديدة من سلب لحقوقهم، وذبح لأطفالهم، وقتل لشيوخهم، وتدنيس لمقدساتهم، وتدمير لمساجدهم، وشر من هذا كله، ما كنا نتمنى الموت قبل أن نراه، أو نسمعه، اغتصاب للحرائر، وهتْك لأعراضهن الطاهرة، وما يليه من بقر لبطون الحوامل سفاحًا، وعبث بهذه الأجنة التي لا ذنب لها إلا إنها خُلِقت في عصر لم يعد فيه أدنى اعتبار لدين، أو قيَم، أو مبادئ.
وأصبح المرجع الأول والأخير، والمنطلق الوحيد لكل أبنائه - إلا من رحم الله - هو القوة فحسب، فهم بين أمة منهكة لا وعي لها بما يديره لها أعداؤها، ولا بما يجب عليها لتدفع عن نفسها، وأعداء لا يعرفون شرف الخصومة.
ومن زمن بعيد وتُنكأ كلومنا قبل براءتها، وقبل أن يهضم أعداؤنا إحدى عواصم المسلمين التي سقطت بأيديهم، إذا بنا نسمع عن سقوط عاصمة أخرى، فمن كشمير، لسراييفو، لجروزني، لإرتيريا، للفلبين، لكوسوفا، لفلسطين، لكابول، لبغداد، لـ ، وغير ذلك كثير، وقبل هذا وذاك الأندلس السليب أعادها الله - عز وجل - بنا للإسلام، آمين يا رب العالمين.